استيقظت اليوم فجرا على غير عادتي، ولما لم استطع معاودة النوم مرة اخرى فقد ارتديت ملابسي وخرجت للمشي، وهي عادة امارسها باستمرار.
ما ان خرجت من بوابة المنزل الرئيسية ، حتى شاهدت منظرا اوقع في نفسي حزنا شديدا، فامام منزلي وهو مقابل المستشفى التخصصي في الشميساني، تقبع اربع حاويات قمامة، تكون في ساعات الفجر والمساء ممتلئة وتفيض على الجوانب، وغالبا ما كنت اشاهد اطفالا ورجالا ينبشون هذه الحاويات في ساعات المساء بحثا عن علب الكولا او الزجاج او ربما اي شيء يجدونه ويستحق البيع في محلات الخردة او ربما البحث عن بواقي طعام. لكن ما شاهدته فجرا كان اكثر حزنا ومشقة على النفس، فقد شاهدت عجوزا بدوية، وقد اخذت تنبش الحاويات بحثا فيها ، وقد اوقفت حمارها الى جانب الحاوية، تضع في بردعته كل ما تلتقطه من الحاويات. صورة العجوز هذه او ربما عجوز اخرى كانت تصدرت غلاف مجلة “المستور” المتخصصة بالفقر والفقراء، التي يرأس تحريرها الزميل الحبيب احمد ابو خليل، ويصدرها تطوعا التزاما منه بالدفاع عن فقراء الارض، وقد عملت معه في عدة اعداد وانجزت عددا من التحقيقات نشرت في “المستور”، قبل ان اخذله واتوقف عن الكتابة لاسباب مزاجية، طبعا. ولما كان الفقر واحدا، والفقراء يتشابهون، وكان الشيء بالشيء يذكر، على حد القول العربي، فقد ذكرتني العجوز هذه وحمارها، بقصة حمار ابي وخالتي عيشة والهجرة. ابي “كم قربتني من نجمة العبث البعيدة”، محمود درويش كان ابي، كلما شده الحنين الى الماضي، يجلس تحت شجرة ورد في احد البساتين التي كان يعمل بها لدى اثرياء عمان، ويلف سيجارة “هيشة” واحيانا سيجارة “ريم”، وهي نوع من السجاير المحلية الرخيصة لم تعد شركة التبغ تنتجها. وكان ابي يغيب في احزانه وذكرياته، وهو كان، على عكس امي، رجلا طيبا جدا مسالما، يذكرني برواية علي فودة “الفلسطيني الطيب”. كان ابي، يأخذني معه الي البساتين التي يعمل بها، لمساعدته خاصة في اشهر شباط واذار حيث يتطلب العمل، تقليم الاشجار، وقلابة الارض بالشاعوب، والشاعوب عبارة عن اداة تشبه الرمح ولكن لها اربع اصابع حادة تغرز في الارض لقلابتها وتهويتهاـ كما يعمل المحراث تماما. كنا، انا وابي، نتناول الغذاء مرة، وهو عبارة عن رغيفي خبز وبعض حبات الفلافل والبندورة، عندما استسلم ابي فجأة لشروده، وغاب في احزانه ، حتى انسكت دموعه على صفحات خده المتجعد. سألته: “شو فيه، شو مالك يا يابا”. ورد “مافيش ايشي بس تذكرت خالتك عيشة الله يرحمها”، وكان ابي يحب تذكر خالتي عيشة، وهي زوجته الاولى قبل امي، فهي كانت، بحسب رايه، اطيب واقل تذمرا من امي، او قنوعة حسب رايه. وامي، بالمناسبة، هي ايضا شقيقة خالتي عيشة الصغرى. على ان رد ابي، ما فيش شي، كان خلفه كل شيء، فقد استرسل في ذكرياته يحدثني كيف ماتت خالتي. قال لي عندما احتل اليهود الخيرية، قريتنا، كانت خالتي قد ولدت اختي “ربيحة”، وهي الثلاثة بعد منيرة وسميحة، وقد وضعت خالتك وربيحة، التي لم يتعد عمرها اسبوع واحد على الحمار، وامسكت بسميحة ومنيرة وامك التي كانت صغيرة حينها وبرسن الحمار، وغادرنا الخيرية. ولما كانت الدنيا ثلج والجو بارد جدا، فقد سقطت القرية بيد اليهود في شهر اذار، وكانت خالتي عيشة في طور النفاس، وهي في الاصل كانت معتلة الجسد مريضة، فلم تحتمل المسير الطويل والبرد القارس والجوع، فماتت على ظهر الحمار، وسقطت على طفلتها التي لفظت انفسها الاخيرة هي الاخرى. لكن ابي تابع مسيره دون ان يتنبه الى ما جرى، حتى قرر ان يستريح في قرية تدعى “شقبة”، وعندما حاول مساعدة خالتي على النزول عن ظهر الحمار سقطت ارضا هي وربيحة، حينها اكتشف ابي ان زوجته وابنته فارقتا الحياة. كان على ابي، وعملا بطقوسنا في الموت، ان يبحث عن مسجد حيث كانت تجري مراسيم غسل الموتى وتكفينهم والصلاة عليهم قبل اختراع شركات الجنائز، وغسل وتكفين الموتى قبل الصلاة عليهم في المسجد او المقبرة. وفعلا فقد وجد مسجدا صغيرا في “شقبة”، وكان امام المسجد لا يزال يعيش في غرفة ملحقة بالمسجد، وقام الاثنان بغسل خالتي واختي ربيحة ودفنهما قرب المسجد حيث لا وقت للذهاب الى مقبرة القرية، وحيث لم يعد مهما ان يدفن الموتى، كما هو الحال في كل الحروب. ابي، لم يتح له ولا مرة واحدة بعد ذلك، زيارة قبر زوجته وابنته و زراعة شجر خزامة او شجر الآس على قبريهما، ولا حتى قراءة الفاتحة على روحيهما. أبي، الذي اثقلت عليه الحياة، التي فارقها قبل ثلاث سنوات تقريبا، ولد من الرخام ليعود ثانية اليه. حكاية ابي هذه حقيقة وليست نسج خيال روائي او قصصي اطلاقا، وهي حكاية تتكرر كل يوم، وربما هناك ما هو اقسى منها في “عالم بلا قلب، عالم ليس لنا”. وابي، الذي فارق الحياة بهدوء ودون ضجيج، يشبه ملايين الفقراء وملايين الباحثين واللاهثين وراء قوتهم، كفاف يومهم، وهو الاب الذي لم يعش ابد، هو اب ملامحه تشبه الفقر ، اب وصفه الشاعر الكبير محمود درويش في قصيدته “رب الأيائل يا ابي ربها”. عندما ينهي قصيدت بالمقطع التالي: “كم أرجات عمرك، وكم وعدت بان تعيش غدا ولكن لم تعش ابدا فما نفع القصيدة تعلي من سقوف كهوفنا وتطير من دمنا الى لغة الحمام يا سيد الشجر المسجى فوق ظل الظل من شجر الخزام يا سيد الحجر الذي ادمته كفك، هل خرجت من الرخام لتعود ثانية اليه؟. دلني لما جئت بي؟ الكي انادي حين اتعب : يا ابي يا صاحبي من مات منا قبل صحابه انا ام صاحبي”.