عداد موتى..!
28 ايلول, 2007

ما معنى أن تعمل محررا للأخبار، وهو بالمناسبة عملي منذ أكثر من عشر سنوات...

أن تعمل محررا للأخبار، يعني ان تكون “عداد موتي”، خاصة إذا كان عملك يتعدى النطاق المحلي إلى الشأنين العربي والدولي. ما تحمله لك الأخبار دائما هو كل جديد في وسائل القتل والموت.

ابدأ عملي عند الساعة الثامنة صباحا تقريبا، وأكون قد استمعت إلى نشرات إخبارية مفصلة من فضائيات عربية، خاصة الجزيرة والعربية والفضائيات اللبنانية، اول  ما تستمع اليه هو “عدد القتلى”، في فلسطين والعراق وافغانستان وغيرها، ثم في تفجيرات وحروب متفرقة هنا وهناك، وتتقصد وكالات الانباء ووسائل الإعلام ان تكون أخبار الموت هي الاولى، كان هناك ثقافة حب الموت، او ان المحررين يعتقدون ان مثل هذه الاخبار عندما تتصدر النشرات تجذب مزيد من المتلقين، ربما هذا الامر صحيح فعلاـ حتى اصبح على رأي السينا المصرية “الجمهور عايز كده”، ولكن هذا الجمهور شكلته وسائل الاعلام اصلا واصبحت اسيرة نزواته ورغباته.

 

ولكن الامر بات عاديا مع اغلب الناس، فشريط الموتى، لم يعد يثير عند اي احد اي مشكلة ومشاهد الدم لم تعد تثير الغثيان حتى عند من هم مصابون بفوبيا الدماء، فالدما تملئ المشهد.اما السلام والسياسة فمكانها اخر النشرات او هي اخبار ملحقة.

 

ما بات يثير الناس، ليس الانسان، الذي تقول فيه صاحبة الصوت السماوي فيروز، في مسرحيتها جبال الصوان” يالي بندفع حقه ناس مش اغلى من الناس”.ما بات يثير الناس هو “الرموز” اكثر من الانسان نفسه، او هي المفاهيم التي خلقها الانسان واصبحت اعلى قيمة منه، كأننا وعصر الاصنام واحد، نخلق المفهوم (الصنم) ثم نموت لاجله.

 

في كل يوم يموت في العراق ما يقارب الـ200 انسان، تفجيرات انتحارية وجثث طافية على الانهار بلا رؤوس، وفي فلسطين الامر ليس افضل وكذلك في الجزائر او في التفجيرات العشوائية، وحتى في حوادث السير في كل الدول العربية. ولكن كل هذا ليس مهما في ذهن العامة، المهم هو “القضية”، وطالما هناك امهات تنجب فليس مهما حتى لو ذبحنا على حجر، على رأي محمود درويش، المهم دائما وابدا “الشعار، المفهوم، القضية”، تارة نقتل لاجل “الوطن وتارة لأجل الطائفة وتارة لأجل المنطقة وتارة لاجل القبيلة وتارة لأجل الشرف وتارة لأجل الكرامة وتارة لاجل التقدم بل المضحك من يقول اننا نقاتل ونقتل لأجل السلام.

 

المهم، أننا لا ننتفض ولا يتحرك فينا ساكنا، طالما تراق الدماء على ضفاف الأنهار والبوداي، وإنما تثور حميتنا عندما يتعلق الأمر برمز ما، ترانا نثور لو ان رسما مغمورا في دولة في أقصى أصقاع الأرض رسم لوحة أو كاريكاتير أو أي شي نعتبره “ اهانة ” لمعتقداتنا، ترانا نثور ونقتل بالمئات لو أنا بناء أو مقاما ”مقدسا” أو مقام تم خدشه، نثور لو أن أحدا ما ألقى محاضرة علمية انتقد فيها ما نعتقد انه الحقيقة المطلقة، او نثور لو ان ملكة بريطانيا أنعمت على سلمان رشدي بوسام ، أما قتلانا فلا بواكي لهم.

 

عندما كنت مراهقا، كنت اعتقد بمقولة “العنف الثوري قابلة التاريخ”، ولأجل ذلك وجدت نفسي منخرطا في تنظيمات تضع العنف على رأس جدول أعمالها بل وتنظر اليه بقدسية مطلقة كأنه السبيل الوحيد لتحقيق الغايات، وبعد سنوات من الحروب ومشاهدة القتل والدمار والموت وروائح الجثث المتعفنة في شوارع بيروت ابان الاجتياح الإسرائيلي، وبعدها مجزرة صبرا وشاتيلا التي تصادف بعد غد ذكراها الخامسة والعشرين، وبعد حياة مليئة بصور “الثوريين” كتشي غيفارا وفيديل كاسترو وهوشي منه وماو تسي تونغ، وبعد مناهج مدرسية أتحفونا بها حافلة بأمجاد القتل والموت وبأيام العرب منذ داحس والغبراء مرورا بالغزوات والفتح وصور الشهداء والقديسين وأيامهم المجيدة، بعد كل هذا وبعد رؤية العالم يتغير بسعره الضوء أدركت ان العنف ليس “قابلة التاريخ”، وان الحروب ليست أكثر من سياسة عنيفة تفرض على الناس الذين لا ناقة ولا جمل لهم فيها.

 

اكتب هذه المدونة ليس كيومية عن عملي بل محاولة لتلخيص أفكاري في العنف بمناسبة ذكرى صبرا وشاتيلا المستمرة هنا وهناك.

الموت سيد الموقف في الوطن العربي الكبير أو كما يقول صاحب مدونة اخرى،بلاد الرمال، والإنسان الذي كرمه الله لم يعد هو “أغلى ما نملك”، بل أصبح قيمة فائضة هدفها في الحياة تحقيق “مفاهيم”، وليس مهما لو كانت هذه المفاهيم متغيرة أو لو كانت من صنع الإنسان نفسه.

 

ما معنى أن يقتل من بني الإنسان المئات يوميا، لا شيء، هي تكرار للعود الأبدي على رأي نيتشه في كتابه “هكذا تكلم زرداشت”، أو على رأي الروائي ميلان كونديرا في رائعته “خفة الكائن التي لا تحتمل”، وهي خفة لا تطاق أبدا أن تستيقظ كل يوم على شريط الموتى أو يتحول الإنسان إلى مجرد رقم، كان ليس هناك أمهات وآباء وحياة بشر ولحم ودم ومشاعر ، وكأننا بتنا وقودا للمعارك وللأيام المجيدة ولحما للمدافع، وصورا على الجدران أو أسماء لشوارع لم نسير عليها طويلا، كأننا لم نكن.

وسلامتكم  

تعليقات

Comment Icon

كم هي محزنة لحظة الموت،
كم هي محزنة لحظة الألم
كم هي محزنة لحظة النظر إلى الموتى
كم هي محزنة ذكرى صبرا وشاتيلا
لن نتكلم اكثر
ولكن يالي بندفع حقه ناس مش اغلى من الناس”.

محمد شما | 15/01/2008, 23:07 [ الرد ]

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba