يتردد الواحد منا ألف مرة عندما يحاول أن يكتب عن تجربة شخصية ما تمس حياته الزوجية أو علاقاته الإنسانية...
ورغم أننا امة نتشدق دوما بالتآلف والتآخي كالبنيان المرصوص، إلا أن الفرد فينا يعيش عمره قابعا في دهاليز أو زنزانة منفردة تماما.
قد يعرف المواطن منا كل شيء، فالكتب والمعلومات والصحف ووسائل الإعلام حافلة بكل المعطيات إلا أنها لا تقترب مطلقا من حيوات الناس، فالبيوت أسرار، على ما نقول، لذلك عندما يتعرض الواحد منا، وبحسب تجربتي، لأي مشكلة حياتيه تتعلق في الحب والزواج والجنس يقف حائرا ماذا يفعل أو من يستشير أو لمن يشكي هما، فمن العيب عندنا أن تشكي هما لأحد أو أن تسأل عن شيء فربما الآخرين سوف يستغلون هذه المعرفة لغرض ما.
والحال هذه، نبقى، وخاصة في مجتمع الذكر، عندما نواجه مشكلة متكلين على أنفسنا وعلى أنفسنا فقط، نكظم الغيظ وتتراكم في دواخلنا الأسئلة وتنكبت النفس على ما لا حصر له من أوهام وأوجاع.
كم كتابا، نجد في الأسواق عن الحب وعن الإدمان على الحب، وكم كتابا أو دراسة جدية نجد في عالمنا العربي عن الطلاق، استثني كل الترهات والفتاوى وابغض الحلال ونسب الطلاق والزواج التي تشكل مادة أثارة للصحف والمواقع العربية، فهل قرأ الواحد منا عن تجربة شخصية ما أو هل تجرأ احد وكتب عن تجربته في هذا.
كم كتابا يوجد في السوق، حول العائلة، وحول الزواج وحول العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة، عن كيفية حل المشكلات، عن الصراحة والوضوح، كم عدد مستشاري الزواج في بلادنا. في الأردن هناك سيدتان واحده منهما وقد زرتها تلت على مسامعي الآيات القرآنية الخاصة بالطلاق والأحاديث النبوية، والثانية لم أزرها ولكن ما عرفته عنها أنها ليست أصلح حالا.
أما الأطباء النفسيون فهم يتصرفون كما لو كانوا أطباء عامين، يستمعون لك خمس دقائق ثم يخربشون على ورقهم المروس بضعة أدوية لشركات تمنح عمولات على كثرة البيع، ويتركونك لفاتورة لن تستطيع دفع ثمنها حتى لو كان اسمك يتصدر قائمة مجلة فوربس لاغنى أغنياء العالم، طبعا مبالغة!!.
اعرف شخصيا، أكثر من امرأة يترددن على العرافات والفتاحات وكل من قال لا حل الا بالشعوذة، من اجل ان تعرف هذه المرأة ماذا أصاب زوجها ولما تغيرت مشاعره، ولتعرف كيف تتصرف في محاولة استعادته، وينتهي بها المطاف بحجاب او خلطة أعشاب أو حرق بخور أو…. كل ما لا ينتفع به.
كم رجلا منا يصل سن الأربعين وهو لا يعرف شيئا عن أزمة منتصف العمر، وهل هي حقيقة ام لا، وكم كتابا او مادة تستطيع أن تجد باللغة العربية عن الموضوع فيما لو فكرت أن بك مسا من قرح هذه الأزمة.
وعندي قريبة، أحجم عن ذكر صلة القرابة والاسم، أصيبت باكتئاب حاد، الأمر الذي يتطلب علاجا مطولا وأهل يستوعبون ذلك أولهم الزوج، ولكن ما فعله الزوج هو أن قام بتطليقها وما فعله الأهل هو ان أخذوها إلى شيخ في مخيم البقعة، والأخير أكد أنها “مركوبة من الجن”، وانه يحتاج لضربها بالصرامي ليخرج القرين منها.
كما كتابا في السوق يتعامل مع الأمراض النفسية، وكم طبيب يكلف نفسه عناء طلب رؤية الأهل، وتثقيفهم بكيفية التعامل مع المرضى النفسيين.
مؤخرا عرفت عن أمراض نفسية مثل مرض اضطراب الوجدان الثنائي القطب، وفهمت ان الإنسان أحيانا بما في جوانيته غير ما يبدو ظاهرا، بمعنى أننا نشاهد أحيانا أشخاصا غير ملتزمين او ينفقون كثيرا او يتهورون في علاقات أو أحاديث خارجة عن المألوف فنحكم عليهم فورا بقلة الحياء أو بالزعرنة او بالاستهلاكية، لاكتشف ان لهذا المرض عوارض من هذا النوع، وان الإنسان الذي يمارس هذه الأفعال يحتاج للحب أكثر مما ستسببه الإدانة والموقف المسبق من الم وتدهور.
حتى الآن لم يكلف طبيب نفسي عربي واحد نفسه عبء ترجمة كتاب واحد عن طرق العلاج السلوكي المعرفي، وكل طبيب ينصح مرضاه بقراءة النسخة الانكليزية لهذا الكتاب أو ذاك، ولكن ماذا عن الناس الذين لا يتقنون لغات اخرى؟؟.
لماذا تصرف كتب النشر وقتها وأموالها على ترجمة كتب عن الحرب والصواريخ والمدافع واللوبيات والوحدات السياسية والمؤامرات وبروتوكلات حكام هؤلاء واؤلئك.
عن كل موضوع الحب لم يكتب أصلا في تاريخنا سوى كتاب واحد هو “طوق الحمامة”، لابن حزم الأندلسي، وبقي هذا الكتاب يتيمة القرون حتى ألف المفكر السوري صادق جلال العظم كتابه “في الحب والحب العذري”، ما عدى ذلك محض كلمات رومانسية وأوهام وخيالات روائيين، جعل شاعرا كمريد البرغوثي يكتب قصيدة عن الحب في الحياة ليس كالحب في الكتب، فالحب في الكتب لا يوجد فيه بثور وحب شباب على وجه المرأة التي صاغتها أضغاث أحلام الروائيين العرب من نسيج ألف ليلة وليلة، فاتنة، ممشوقة القوام، ذكية، لهلوبة عيونها تنضح إغراء وجنسا أجمل من عيون المها بين الرصافة والجسر.
والحب في ادبنا، التصاق وهيام وجنون وعشق وانتحار والم وفراق ولوعة وغرام وانتقام، والحبيب لا يرى سوى الحبيبة، لا يعمل ولا يشتغل ولا يصادق ولا ينام ولا يقوم الا وهو يفكر بالحبية وهي كذلك، وكان الحب ليس حرية وليس خيارا طوعيا، هو حب يذوب فيه الطرف بالطرف وتنتفي فيه شخصية الآخر وتنسحق، وان لم يكن كذلك فليس حبا.
بعد ذلك كيف يمكن ان نفهم ان يكون الحب واستقلالية الفرد وحريته صنوان، وكيف ممكن ان نفهم كعشاق عرب ان المرأة ممكن ان تكون سمينة وغير ممشوقة القوام وان لديها أمورا اخرى تفكر فيها غير الحب وان عندها حياة كاملة وأناس اخرين غير العشيق، وتمتلك أحزانا ومشاغل اخرى تفكر فيها غير الحبيب الولهان.
ماذا نكتب مثلا عن “الخيانة الزوجية”، عن التسامح والغفران والكذب والمخادعة، عن الأسباب والحلول، غير سلسلة من النصائح والفتاوى التي لا تزيد سوى ان تدمر في العلاقات وتشتت في العائلات، وتمعن في تعزيز الكراهية والحقد وتوغل في تعميم فكرة الدياثة.
كم كتابا جديا نجد في مكتباتنا، وكم عائلة عربية، ممكن أن تقتني في مكتبتها، وكم مثقف عربي تخلى عن تعاليه وناقش هموما بسيطة للناس، عن الحب عن الزواج عن العلاقة بين الشريكين عن البرود الجنسي، عن مفهوم الجنس عند المرأة أو عند الرجل، كل ما تجده في السوق كتبا من باب “لحق السوق”.
صحيح أن لكل فرد منا تجربة شخصية من الصعب أن تتشابه مع الغير، ولكن الصحيح ان ما هو مشترك بين الناس أكثر كثيرا مما هو منفرد.
لا زلت حتى الآن ابحث في مكتبات كل بلد عربي زرته عن ترجمة لكتاب “فن الحب” لعالم النفس الألماني اريك فروم، الكتاب الذي يعالج فيه ظاهرة الحب، ولم أجده.
أجد صعوبة مطلقة في فهم موضوع الحب والزواج، وأتردد كثيرا في الخيار بين العزوبية والزواج الثاني، فحتى دراسات عن الزواج الثاني لا يوجد مطلقا، بينما لو بحثت في الانترنت عن هذا الموضوع بلغة أجنبية لعثرت على آلاف الكتب والمواقع التي تعالج الموضوع بطريقة علمية، أو تمدك بإحصاءات ومعطيات حول هذا الأمر، وعن إمكانية نجاحه، وعن التعامل مع الزوج او الزوجة الأولى ومع الأطفال، وكيفية امتصاص صدمة الزواج وردات فعل الطرف الاخر فيما لو قررت الزواج مرة اخرى.
اعتقد إلى هنا يكفي، فما أعيشه اليوم، لم تسعفني فيه كل معرفتي ثقافتي وتجاربي، في التعامل معه او على الاقل لم انجح في إيجاد أي شيء بالعربية ليس كدليل ولكن للاطلاع على تجارب اخرى أو لإرشادات عامة على الأقل. وحتى الآن، لا اعرف ما نفع آلاف الكتب العربية التي تصدر في الفتاوى وزمن صدام والعولمة وكبائر النساء والوحدة العربية، ومآثر الملوك، وكبائر النساء، وعذاب القبر، وأحكام المسح على الخفين والتيمم ومبطلات الوضوء والطبقة العاملة ومآثر المجاهدين في الفلوجة ومؤامرات احمد منصور ونظريات زغلول النجار في تحويل القرآن إلى مستودع أدوية ومختبر لعلوم الأرض والجيولوجيا والفضاء وجميع العلوم أو ما حلل وحرم القرضاوي في الجنس بين الزوجين.
وكم سيرة ذاتية تقراها لمفكر أو سياسيا أو مغني أو مغنية عربية أو تشاهدها على التلفاز لتجد أنها سيرة نورانية ليس فيها مكان للحب أو الخلافات وان وجدت فالحب عذري والزواج مثالي، هل تدرون أن أكثر ما يهدم في الزواج انه العلاقات المثالية، هم الأزواج الذين يبدون للآخرين زوجين مثاليين أمام الناس، هؤلاء نتخذهم مثالا فيما الحياة لا تحتمل المثالية، إذا رأيت أزواجا مثاليين لا تصدق كل ما ترى وتسمع.
سأحاول لاحقا الكتابة عن تجارب شخصية بتفاصيل اكبر، لعل احد ما يستفيد أو لعلني أجد سلوى فيما اكتب.
البوح للاخر عملية صعبة وليست سهلة كما يعتقد البعض ثم ان السير الذاتية وان وجدت فيها قصص الحب فلا تكون كما كانت لذلك استاذ عمر لن نتامل منك ان تكتب عن سيرك الخاصة والحميمة لانك ببساطة لست مطالبا ثم ان الحديث عن الجراة في الكتابة وفيما يختص بالسير الذاتية فانا اشكك في ناك على قدر من الجراة لانها ستدخل في اطار التحديات ونحن في غنى عنها سنحاول معك القراءة عن تجاربك الشخصية لعلنا نستفيد او كما كتبت ستجد فيها السلوى في نفسك وسنجد فيها متعة التلصلص
شكرا
عبد العزيز
عبد العزيز | 15/01/2008, 23:53
السلام عليكم
ادعوك لزيارة مدونتي الجديدة
http://archimanager.blogspot.com
سياسة-ثقافة-عمارةوفنون-تسلية
عمار جرار
عمار جرار | 15/01/2008, 23:54
كم لهذه الكلمات التي تحمل بين طياتها كل معاني العمق والإحساس أثر على قارئها…
لقاء | 15/01/2008, 23:55
أحلى اشي انه كل اللي ببدوا اعجابهم بمدونتك همه كلهم موظفين عمان نت (داوود كتاب، سوسن ومحمد شما!)...
kaseeda | 15/01/2008, 23:56
من اهم المدونات و التي امل ان يتم الاهتمام بها.
داود كتّاب | 15/01/2008, 23:52 [ الرد ]