“حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال ربي أوزعني أن اشكر نعمتك التي أنعمت علي”…
بلغت الاربعين قبل سبع سنين، ويقال ان من يبلغ الاربعين يعطى الحكمة، ولكن هناك قول اخر، يطلقون عليه “ازمة منتصف العم”.
قبل الاربعين، كنت رجلا عاديا، اعمل يوميا ثمان ساعات مثل كل خلق الله ثم اعود لبيتي، حاملا اكياس بلاستيك سوداء فيها خضار وفواكه او ربطة خبز، اغتسل والبس بيجامتي واتعشى واتفرج على التلفزيون قليلا، ثم اقرا قليلا وامازح ابنتي ثم انام قرير العين مطمئنا.
حياة، ليست خارقة طبعا، فيها برود بالعلاقات الحميمة الى حد كبير، كنت اتقبلها وارضى بها، من باب الحرص على تماسك العائلة، ومحاولة عدم تغليب غرائزي على ما هو اهم، الا وهو الاطفال والبيت، وعدم التصرف “بانانية”، وكنت اجد لنفسي بعض المخارج، بعض زفرات الحرية هنا او هناك، خيانات صغيرة، سهرات بريئة مع اصدقاء، سفر عاجل ابتعد فيه عن المنزل بضعة ايام لاعود اليه بشوق كبير.
لكن هذه الحياة، والاطمئنان والاكتفاء انتهت او هي ذهبت مع الريح دفعة واحدة بعد ان بلغت اشدي وبلغت الاربعين سنة.
لا تسألوني ماذا اصابني، فانا لا اعرف. بعض علماء النفس يقولون انها “ازمة منتصف العمر”، وهي ازمة يمر بها اغلب الرجال، تشبه الى حد كبير ما يطلقون عليه “سن اليأس عند المرأة”، ويعتقد بعض هؤلاء العلماء انها ممر اجباري للرجل، لكن يمكن التغلب عليها ان هو وعى ما هو فيه، ووجد تفهما ومساعدة من زوجته ان كان متزوجا.
لكن ما يقول فيه عالم النفس كارل يونغ، ان الرجل عندما يبلغ منتصف العمر تتغلب عليه الصفات الانثوية التي فيه، لانه يكون استهلك هرمونات الذكورة بعمره السابق، فيما يحصل العكس عند المرأة، فيصبح التعارض بينهما حتميا، لذاك فان احدا لا يستطيع مساعدة احد.
ما علينا، ليس لي بعلماء النفس وتنظيراتهم فانا اريد ان اتحدث عن تجربة شخصية، قد يكون مّسني مما يسمى ازمة منتصف العمر قرح منها، وقد لا يكون.
المهم، ما ان بلغت الاربعين حتى بدأت اشعر انني رهين محابس كثيرة، العمل، الابناء الزوجة المسؤوليات جميعها، وشعرت انني كثور مربوط الى ساقية يدور ليل نهار لخدمة الاخرين، وفي خضم دورانه نسي نفسه.
انا حر!!
الاكتشاف الخطير باني رهين المحابس، وان حياتي سرقت مني في العمل وتدبير شؤون الحياة، والشعور بالملل من الدورة اليومية- بيت عمل- بيت عمل- اطلق الوحش الكامن داخلي: حريتي، اريد ان اكون حرا، اخرج متى اشأ واعود متى اشأ ليس لاحد محاسبتي، وطبعا، عندما تكون ابا طيبا وديمقراطيا ومقتدرا ماليا، فان احدا لن يلومك فيما لو تصرفت ببعض الحرية فهذا حق لك، يشجعك عليه اصدقائك، بعضهم قد يغالون فيعتبرون الملتزم منا ببيته “خانعا” او “محكوما لمرته”.
وفي المقابل، فان الزوجة التي كبرت هي ايضا، تكون قد ترهلت قليلا، وهي كما قال يونغ تتغلب عليها صفات الذكورة او هرموناتها، ويكون الاطفال كبروا، فهي ايضا تريد ان تكون حره، تريد ان تكمل تعليمها، وتريد فسحة اكبر لنفسها، ولا يعود الجسد يعنيها كثيرا فهي معنية اكثر بتحقيق نفسها التي نسيتها في تكبير الصغار، والعناية بالبيت.
عودة الشيخ الى صباه!!
والحرية لا تكفي للقضاء على روتينة الحياة ومللها الذي اكتشفت، فهذه، اي الحياة، ينقصها الاثارة، والاثارة لا تتاتى الا بحب جديد يعيد لنا الشباب والماضي المجيد، الذي يبدأ بالالحاح علينا، ونبدأ باعادة تذكر “الايام الحلوة والزمن الجميل”، مسك الايادي على مقاعد الجامعة وانتظار المحبوبة على ناصية شارع…الخ.
والحب هنا يصبح المطلوب الاول، ذاك انني كنت تخليت عن اي هدف اخر في الحياة لم استطع اصلا اكتشافه، وغاب عن حياتي ايضا اي ايمان باي قضية، واصبح العمل روتينا لا تحدي ولا ابداع فيها، احرر واكتب اي مادة في دقائق معدودات، لذلك فـ”الحب” هو المنقذ والمهدي المنتظر لتخليصي من مستنقع “الحياة الزوجية” الباردة والمملة.
والحب في الاربعين ياتي “ناريا مجوسيا”، لانني اريده كذلك، فالحب العادي او الهادي مجرد تفصيل اخر لا ينفع مسعفا ومنقذا.
ولكن الحب يتطلب تفاصيل وعدة اخرى، اما لجلبه واما للحفاظ عليه، وهكذا طفقت ابحث عن كل ما لم يكن يقع عندي موقعا في السابق، ملابس كثيرة وشبابية بعضها قد لا يناسب عمري، عطورات، ادوات حلاقة ومرطبات وكلونيا ومزيل للعرق وحلاق خاص وتسريحة شعر جديدة، باختصار “نيو لوك” على طريقة هيفاء وهبي.
والحب يقتضي ايضا اشياء اخرى، الكذب واللف والدوران، وطالما انني من امة لم تعلمني المصارحة والمكاشفة، ولا ادري شيئا عن ما يسمى الزواج والحب والجنس الا بعض “المحلل والمحرم”، والتواصي والنواهي “و”شو بدهم يقولوا عنا الناس”، وطالما انني من قوم لم يعلموني معنى للحياة والحب غير التابع والمتبوع، ولا معنى اخر للجنس سوى السيطرة والشدة وتعداد الاورجازمات، ولا يعرف معنى للقبلة وللكلمة واللمسة والاحضان والرائحة، وطالما اننا بلغنا من العمر عتيا بما لا يسمح لا بشدة ولا بتكرار ولا بتعداد، فالخوف من العجز يقع ولوم الاخر يصبح هو لسان الحال، والبحث عن امراة اجمل او اصغر هو المقصد لاختبار “شبابنا” الذي لم يذهب وفحولتنا التي نخاف عليها، وهكذا، لا نريد الاعتراف بذهاب الشباب والتصرف بمنطق المرحلة العمرية الجديدة.
اما الزوجة، فهي من نفس الطينة، فالتغيرات عند الرجل لا تعنيها وما هي الا “جهالة متاخرة”، مراهقة متاخرة، التهم جاهزة والشك موجود اصلا، والمصارحة غائبة والعلاقات الحميمة عيب، وليس وقتها والتفكير فيها تغليب لغرائز ومراهقة على كبر “بعد ما صار اولادنا طولنا”.
شرخ في علاقة طويلة!!
سرحت كثيرا، طوال اليوم سارح خارج البيت، ليس لانني لا احبه، بالعكس فانا كما يقول يونغ، في الاربعين اميل لان اكون “بيتوتيا”، ولكن ما العمل والبيت “مملل” والزوجة مثل “حرس الحدود”، والخارج هو الحياة والعلاقات الجديدة ممتعة ، لقاء في سيارة يتطلب مغامرة، لقاء في مقهى يتلطب جرأة، كلام جميل بعيد عن فظاظات الحياة، لا فواتير كهرباء ولا مياه ولا هواتف ولا رسوم جامعات ولا رائحة طبخ.
لقاءات حب عابرة، اسرارا تضفي غموضا والغموض يصبح مغامرة، والحياة تتحول الى اثارة والاثارة تبعدك عن الملل، ويصبح لليوم معنى اخر، تكره الليل لتصبح على يوم اخر، يوم تواعد فيه “الحبيبه”، لتسمع كلمات الغزل بدل ان تسمع مطالبات ومعاتبات.
حب جديد، لبعث الحياة مرة اخرى، في عمر هو بداية النصف الثاني.
وتدخل في دائرة او حلقة مفرغة، حرية اكثر حب اكبر، يتطلب غيابا اوسع ومبرارات واعذاا اكثر، لف ودوران من طرفك، شكوك واتهامات من الطرف الاخر. ولا مستشارين للزواج ولا كتب ولا احد يسمع منك ولا تستطيع ان تسمع احدا، ومجتمع اما ان يحاكمك او ان يحاكمك.
الشرخ يتسع، ويصبح هوة وجدرانا عازلة، والبرود يتحول الى تنافر، والبقية الباقية من الثقة تتحول الى شكوك راسخة، والجدال يتحول الى صراخ واتهامات واحيانا تجريح، فيقع الطلاق!!
والاحصاءات في الاردن تقول ان اغلب حالات الطلاق تقع في الاربعين وبعد مضي نحو عشرين سنة على الزواج اي في الاربعينات، وتاليا في السنة الاولى زواج، بسبب عدم التفاهم والضغوط المالية والاهل.
اهي ازمة نفسية وبيولوجية يمر بها الانسان اجباريا كما يؤكد علماء النفس او بعضهم، او كما يقول بعضهم انها كذلك ولكن ليس كل الناس تتأثر بها بنفس المستوى، او كما يقول اخرون انه لا وجد اطلاقا لهذه الازمة وان ما يشعر به الرجل في هذه السن هو “فيض الخافية اللاواعية”، بسبب طفولة مقموعة، تتسبب بجهالة جديدة ومراهقة متأخرة؟؟.
لا ادري، ولكن ما مررت به دونته وان بشكل عام، واعرف ان رجالا اخرين مروا به، واعرف ان بعضهم عذبهم سؤال : لماذا حصل معي هذا؟؟؟
احييك استاذ محمد على هذه الجرأة في الكتابة عن مواضيع قد تبدو ذاتية ولكنها عامة.
فاتن | 30/12/2007, 17:40
قرأت تدوينتك مرة واثنتين وثلاث
قليلون هم الرجال الذين يمارسون فعل البوح هذا.. قدرتك عجيبة على تشريح نفسك ومعها النفس البشرية الذكورية
تدوينتك تجعلني اعيد النظر ببعض الامور الحياتية، من قال إن هناك قصصا للناس، انها قصة واحدة تتكرر في كل زمان ومكان
شكرا لك.
كارمن | 30/12/2007, 17:40 [ الرد ]