كان المطر يهطل على عمّان غزيرا، أو هكذا يحب أن يتذكر الناس الذين في عمري أو اكبر كثيرا أو قليلا الامطار التي كانت تغسل مدينتهم...
لا مطر يهطل على "عمّان" هذا العام...
كلما اقترب منخفض جويّ دعت وزارة الأوقاف، وكبار شيوخنا الناس إلى صلاة استسقاء في البريّة. هكذا قال ليّ سائق التاكسي الذي اقلني قبل قليل، عندما كانت إحدى المحطات المحلية تذيع دعوة الوزارة.
وأردف السائق قائلا: إنهم يريدون أن يقنعونا أن الله يستجيب لصلواتهم إذا صدقت الأرصاد وهطل غيث السماء.
وقال أيضا إن: الله قد ينزل المطر، لكن ليس رحمة بنا، بل رحمة بعباده الصالحين من شجر وحيوان، اما نحن البشر فلسنا على صلاح حال كاف ليرحمنا ارحم الراحمين..
فعلا كان المطر غزيرا...
كان "سيّل عمّان" يهدر منحدرا في الشتاء من "عبدون" التي كانت أرضا زراعية في تجاه "وسط البلد"، مرورا بـ"رأس العين"، التي سميّت كذلك لأنها كانت تحتوي عيون مياه كثيرة.
كان على "سيّل عمّان" جسران...
قبل أن تتفتق عبقرية احد أمناء "عمّان"، ولا ادري من هو على وجه التحديد، ربما كان السيد عبدالرؤوف الروابدة وربما غيره. قبل ان تتفتق عبقريته عن فكرة "سقف السيل"، كان هذا المجرى المائي يمر مكشوفا مخترقا المدينة من حدها الجنوبي الشرقي.
على مدخل "عمّان" الغربي كان الجسر الحجري الذي شيد في نهاية ثلاثينيات القرن الماضي ينتصب فوق "سيّل عمّان" يربط منطقة "المهاجرين" و"طلوع المصدار" مع "شارع الملك غازي".
كنا نسميه "جسر المهاجرين"، واعتقد أن الجسر اخذ تسميته لان المنطقة كانت تغص بالمهاجرين من "الشركس" أساسا الذين كانت لهم مزارع وضياع على حديّ السيل. قبل أن يأتي مهاجرون جددا من القرى ومن فلسطين والشام.
كان جسرا حجريا باتجاهين، بني على طراز معماري قديم، كان اقرب ما يكون إلى قنطرة.
كان على حده الشمالي "مطحنة أبو قورة"، هكذا كنا نسميها، وهي مطحنة قمح كبيرة، قياسا بذلك الزمان، اعتقد إنها كانت ملك "شركة المطاحن الأردنية الكبرى"، وربما كان صاحبها من بيت "أبو قورة".
وعلى الحد الجنوبي من الجسر كان "نبع راس العين"، أو ببساطة "راس العين" وكان النبع غزيرا.
قبل أن تعرف "عمّان" شبكات توزيع المياه، كانت صهاريج المياه تقف بالطوابير أمام "جورة راس العين"، النبع، في انتظار دورها في التعبئة لتوزيع المياه على سكان "عمّان".
كنا أطفالا وكنا نعمل أحيانا مساعدين لسائقي "التنكات"، نصعد إلى أعلى "التنك" نمسك بخرطوم مياه النبع ونضعه في فتحة الخزان. وعندنا يمتلئ ننادي على السائق الذي يكون في العادة يشرب الشاي ويدخن في القهوة الجانبية.
كنا نتباهى نحن الأطفال، أجراء سواقي التنكات، بنوع السيارة التي تحمل الصهريج، وهي في العادة إما "مرسيدس بوز" وإما "مرسيدس أفطس" وكان المرسيدس الأفطس، هو الموديل الأحدث.
مقابل "راس العين" أو النبع كان يوجد "مركز امن المهاجرين" في بداية "شارع الطلياني"، وكنا نقف بالساعات نراقب "رقيب السيّر هزاع" وهو ينظم حركة السير بحركة دؤوبة متقنة لا تهدأ على "مفرق المهاجرين".
"الرقيب هزاع" تقاعد ثم أعيد للخدمة الآن وهو يكاد يغادر العقد السابع من عمره.
أعيد "هزاع" الآن، لتنظيم السير على مفترق طرق "العبدلي" و"وزارة الصناعة" و "جبل الحسين"، ولا يزال على عهده، يقضي ساعات الخدمة الطويلة بدون توقف مطلقا، يؤدي حركات متقنة وسريعة ودرامية، ويؤدي التحية لمئات من سكان "عمّان" الذين عرفوه كأحد علاماتها.
كان في عمّان جسرا آخر مشابه لـ"جسر المهاجرين"، كان قائما مقابل "قصر رغدان"، الذي هو الآن "الديوان الملكي".
كنت
سمعت أو قرأت ذات مرة أن "جسر رغدان" المهدوم بني ليمر عليه موكب الملكة
البريطانية "فكتوريا" عندما زارت المنطقة في ثلاثينيات القرن الماضي. هدم الجسر القديم واقيم مكانه جسرا حديثا احتفظ بالاسم فقط.
في "دمشق" كان هناك جسرا مماثلا أقيم على "نهر بردى"، وقد هدم الجسر القديم أيضا هناك، ولكن الجسر الحديث الذي بني مكانه لا يزال يحتفظ بنفس الاسم "جسر فيكتوريا"، كان هذا عندما كانت دمشق تحت حكم الهاشميين، عندما كان الملك فيصل، على ما اعتقد، ملكا على سوريا الكبرى.
كان "سيّل عمّان" يجري هادرا في الشتاء، وكان من الصعب قطعه من أي جهة إلا عن الجسور، كان بعض التجار أو الأهالي يضعون عوارض خشبية للمساعدة في قطع السيل خاصة عند "سوق الخضار" و "سوق السقط".
أما في الربيع فقد كان السيل يرق كثيرا، وكنا نذهب إليه ونصطاد "اسماك" صغيرة نضعها في مرطبانات زجاجية قبل أن يتم اختراع أكياس النايلون.
لم يكن لـ"عمّان" نهرا، لكن كان لها "سيّلا" وكنا نلعب على ضفافه، ونخافه في الشتاء عندما كنا نهبط إلى "البلد" لشراء غرض ما لا يتوفر الا في وسط البلد.
كان لـ"عمّان" سيّلها، قبل ان تتوسع، وتعجز الأمانة عن مّد شبكة مجاري حقيقية تجنب السيّل تدفق المياه العادمة للسكان والمتاجر والأسواق ليتحول الى مكرهه صحية تنبعث منه الحشرات والهوام والروائح...
كان لـ"عمّان" سيّلها الذي سقف من بداية "مفرق عبدون/ راس العين" وحتى "المحطة"، لكن من سقف "سيّل عمّان"، ليتحول إلى طرق إسفلتية ترك فيه فتحات تهوية وتصريف مياه كبيرة حولت جو "وسط البلد" و "شارع سقف السيّل" تحديدا إلى جو خانق بسبب انبعاث الروائح الكريهة والغازات من هذه الفتحات. ولا تزال الأمانة عاجزة عن حل هذه المشكلة التي تزكم انوف المارين على "سقف السيل".
إنها لمفارقة حقيقية، شوارع نظيفة جدا، لكن روائح كريه جدا.
جو "عمّان" اليوم مغبر كثيرا، سحابة صفراء تكسو المدينة، سكانها يتنفسون الرمال، مطرها قد يهطل مغبرا هو الاخر. او مطرا اسود من غمامة العوادم التي تظللها.
اراضيها التي كانت ذات يوم اراض زراعية، بيادر قمح ومقاثي، تحولت الى كتل اسمنتية، زحف صحرواي وزحف اسمنتي، فأي مطر سوف يهطل على "عمّان" بعد ان صحرناها...
صديقي ياسين..
تحية، كنت كتبت هذه المدونة وانا في رأسي فيلم "مطر يهطل على سنتياغو" دي تشيلي طبعا وليس دي اسبانيا،Lluvia sobre Santiago كان فيلما للمخرج التشيلي هاليفي سوتو. والان وانت ترسل تحية من سنتياغو دي اسبانيا. اعدتني الى الفيلم مرة اخرى والى نفس الفكرة، ففي فيلم هاليفي كان انقلاب بينوشيت سببا للمطر الاسود، مجازا، وعندنا في مدننا العربية فالمطر يهطل شحيحا وملوثا بفعل انقلابنا على الطبيعة.
اشكرك
محمد عمر | 28/01/2009, 14:04
أستاذنا
سانتياغو "تبعيتنا" هي سانتياغو دي كومبوستيلا(حيث يوجد قبر القديس يعقوب الحواري ضمن كاتدرائية ضخمة تعد أهم معالم اسبانيا الأثرية), و من اسمها تأتي أسماء جميع الـ سانتياغوات الأخرى (سانتياغو دي كوبا, دي غواياكيل, دي تشيلي, ديل استيرو.. الخ)
أعرف الفيلم, شاهدته منذ فترة و هو مؤثر جداً, انقلاب بينوشيه و ضحاياه كان دليلاً تاريخياً آخراً على لا أعرف ماذا.. لكنه دليل على شيء
بخصوص مطر سانتياغو (تبعيتنا) - وعذراً للخروج عن موضوع التدوينة- فهو شهير جداً, الشاعر الكبير لوركا عندما زار سانتياغو سُحر بجمال المطر المنهمر على الأحجار القديمة لدرجة أنه قضى شهوراً يتعلّم الغاليثية (لغة مقاطعة غاليثيا, و هي المقاطعة التي عاصمتها سانتياغو) كي يكتب قصيدة عن المطر في سانتياغو, بلغتها
هذه القصيدة غنتها فرقة لوار نا لوبري مع مغني شاب اسمع اسمايل سيررانو, اغنية رائعة جداً و هذا رابطها لو أردت سماعها
http://tinyurl.com/cpjcs4
تحياتي!
ياسين | 28/01/2009, 14:20
صحيح ما فهمت الأغنية بس اللحن جميييييل عجبتني...
عروبة | 28/01/2009, 21:49
و هذا رابط على اليوتيوب (لا أعلم إن كان يمكن فتحه من الأردن9) لمقطع فيديو صوّره سائح و هو يتجوّل في المدينة التاريخية لسانتياغو أثناء المطر.
http://es.youtube.com/watch?v=1bS2Kkoep2I
هامش: يمر من أمام بيتنا D:
تحياتي
ياسين | 28/01/2009, 14:27
لقد كان جدي رحمه الله من اوائل من سكن منطقة رأس العين امتدادا لشارع الطلياني هو وعائلته . وما زالت والدتي تروي لنا حكايات هذه المنطقة بالذات عن فصل الشتاء الذي كان الناس يعدون له العدة الكاملة من مونة ولباس وحطب كناية عن غزارة الامطار التي كانو يستقبلونهافي فصل الشتاءو لقد كانت ابواب منزل جدي لا تمنع احيانا تسرب مياه الامطار اليها لغزارتها. وعندما يسالني بعض الناس عن المكان الذي ولدت فيه والدتي فاقول راس العين او الطلياني حينها يتبادر الى ذهنم منطقة سقف السيل وروائحها الكريهه ولكنهم لا يعرفون ان تلك المنطقة بالذات قد شهدت فترة ذهبية لم يعايشها الكثيرين بل القلة ومنهم والدتي.علشان هيك والدتي تتحسر على تلك الايام وشتاء زمان وتعلل السبب في النية .النية الصافية بين الناس وقلوب الناس على بعضها البعض زمان هي التي كانت تجلب المطر بارادة ربنا.اما الان فهذا نادر الوجود . اعتقد انك لبست الجزم البلاستيكية السوداء الطويلة التي كان الناس يلبسونها لاجتياز مكان فاض بسبب الامطار ولقد كان الطلاب يعطلون عن المدارس اذا "حد السيل" وهي عبارة شعبية تعني اذا فاض السيل عشان هيك الله يرحمنا برحمتو
آمين
شكرا استاذ محمدعمر
اخت متابعة | 28/01/2009, 14:39
اخت متابعة. البست الجزم السودة طبعا، فقد كانت رفيقة كل الشتاءات.
بالمناسبة هناك وصف طويل لهذه المنطقة في الشتاء في رواية غالب هلسة "سلطانة"..
اشكرك
محمد عمر | 28/01/2009, 14:53
على ذكر سلطانة
في المسلسل المعنون بذات الإسم والذي يعرض الآن على روتانا خليجية يموت ابن أحد الأبطال في السيل
وفي رواية سميحة خريس -دفاتر الطوفان- تتحدث عن السيل أو الطوفان كما تصفه الرواية فأستغرب من هذا السيل الذي كان موجودا في زمن ما
حين قرأت العنوان فرحت؛ ظننت بأنها تمطر في عمّان ولكن للأسف "لساتها ناشفة"
تحياتي لذكرياتك الجميلة
ميّاسي | 28/01/2009, 15:03
بتعرف استاذ محمد صح حياتكم كانت اصعب لكن احلى وفيها شي تتذكروه
متابعة | 28/01/2009, 15:14
البلدان تتباها في انهارها و طبيعتها ، و نحن وأدنا " محاولة نهر " في سقف السيل .. امر عجيب !!! الان الشبان يتندرون ، بان ليس في عمان اي مظهر جمالي كما لبيروت او القاهرة او بغداد ،، ليتهم يعرفون ان عمان كان لديها اشيائها الخاصة ايضا ، كان لها هويتها ايضا كأي عاصمة ، لكنهم طمسوها !!! هل هو قصر نظر ؟ ام انها مقصودة ؟ سؤال يستحق التامل ؟ خاصة اذا اخذنا في الاعتبار ، اهمال وسط المدينة ، هدم المعالم فيها من مقهى حمدان و الجامعة العربية الى فندق فيلادلفيا و ليس انتهاء بدور السينما المعتقة !!!! الشعوب تشتري ذاكرة ، و نحن نجهد في محوها !!!!
عماد رواشدة | 28/01/2009, 15:25
تعليقا على ما كتبت أقول :
يحيا الذكاء ، فنحن نضع الرجل غير المناسب في المكان المناسب !
والنتائج لا تحتاج لتعليق ..
: - (
عبير هشام أبو طوق | 28/01/2009, 15:49
If one has a skilled eye, he can notice the violated beauty of Amman. A past beauty!!! Which -unfortunately- was penetrated by Ammanis!!
A friend of mine visited Tehran 8-9 years ago, she said that Tehran is much more advanced than Amman, but Amman has a natural beauty, and is CLEANER!!!
Now adays, If she repeats it, I am 100% she will come back with an exactly opposite opinion!!
I feel deeply sorry for Amman!!
Kahrabgeyya | 28/01/2009, 16:03
Dear Vitalis,
Queen Victoria was having a Sauna in Hell in the 1930s. She did not visit those plains even when she was not a ghost and King Faisal I was deposed from Syria after Maysaloon in 1921, the same year i started the ascent (or de..) to my Jordanianness and you still not according to Zubaidy. Please use your Acer and research your thoughts before clicking send
Queen Vic | 29/01/2009, 00:28
عزيزتي. اشكرك على هذه الملاحظة.
سبق وحذرت قراء مدونتي انا لا يثقوا كثيرا ببعض المعلومات التاريخية التي ترد في مدوناتي التي اكتبها من وحي نثار ذاكراي. فانا اكتب ما اكون سمعته من الناس او ما يشاع بينهم معتمدا على نثار محو الذاكرة كما فعل مثلا الروائي المصري جمال الغيطاني. لا افضل في هذه الحالة، كما في كل مدوناتي، العودة الى اي وثيقة تاريخية او استخدام غوغول لانني لست مؤرخا لانني اكتب ما في الشارع، ما قد اكون سمعته او قراته, وما احتفظت به ذاكرتي، وعادة استخدم كلمات مثل على ما اعتفد او غيرها. باختصار لان مدونتي ليست تاريخا انها نتاج ذاكرة واكتبها وارسلها بدون كثير تفكير. ومرات كثيرة اعتمد على القراء في تصحيح معلوماتي. وهذا لم يكن هدفي لكنه حصل اكثر من مرة ، كما هو حصل الان معك وانا سعيد بهذا التفاعل.
اشكرك.
محمد عمر | 29/01/2009, 05:46
يمكن السبب في عدم هطول المطر هو انه قلوب الناس تغيرت عن ايام زمان, زي ما بنسمع من الكبار انه الناس ايام زمان كانوا اقرب لبعض.
منصف صدقة | 29/01/2009, 21:22
حال عمّان كحال أغلب المدن في الدول العربية حيث ارتكبت جرائم حقيقية بحق العمارة التاريخية و أيضاً بحق الطبيعة, و كمثال على ذلك جريمة تحويل غوطة دمشق إلى مجموعة كتل اسمنتية هائلة بينما يزرعون الأشجار على سفح قاسيون و يتكلّفون الملايين لإيصال المياه إلى هناك.
و نفس الشيء في كثيرمن المدن, منها مدينتي, الرقة.
هذا ما يحصل عندما يستلم عمران مدينة من ليس جديراً حتى ببناء بيت بألعاب الليغو..
تحيّة ماطرة جداً من سانتياغو, اسبانيا
ياسين | 28/01/2009, 13:57 [ الرد ]