ضائع في شيكاغو...!
22 نيسان, 2009

كنت طيلة امس اتجول في مدينة "شيكاغو"، وقد بدات اشعر بالملل على الرغم من كل ما في هذه المدينة، مثل المدن الاخرى، من اماكن تستحق المشاهدة والزيارة، خاصة المتاحف والحدائق...

لكن كل شيء هنا يكلف "دولارات"، وموازنتي على قد الحال. وكل نزلة الى "وسط المدينة" او كل رحلة الى حي ما تكلفني مبلغ كبير. فالدخول هنا الى المتاحف ليس مجانيا. والجولة في "الترولي" لمدة ساعتين في المدينة تكلف 29 دولارا. لذلك اخترت ان اتجول ماشيا، كعادتي، في المدينة التي لا تنتهي...

وقد ضعت اكثر من مرة هنا. لكن توفر خرائط تفصيلية للمدينة اعفاني من الضياع المستمر فقد كنت في كل مرة اهتدي الى مكان اعرفه. وعندما كنت اعجز عن قراءة الخرائط كنت اضع علامة ما، كمحطة مترو، او بناية عالية وابدأ بالمشي نحوها والسؤال عنها...

قضيت ساعات تحت الارض امس متنقلا من مترو الى الاخر، من الصعب معرفة عدد خطوط المترو والقطارات والمحطات هنا...

كانت عربات المترو تقف لثواني معدودة وتقذف الناس خارجا ليركض الجميع في تجاهات مختلفة ونادرا ما ترى انسان يخرج من عربة ولا يلهث للحاق بخط اخر. في المترو تشاهد على الطبيعة رتم الحياة العصرية السريع. فالمترو نفسه لا يتوقف في أي محطة اكثر من ثلاث دقائق وربما اقل في محطات اخرى...

المهم....

على الساعة السابعة مساء قررت العودة الى منزل صديقي "سنان" وقد بدات رحلة البحث عن محطة القطار الذي اوصلني من منزل "سنان" الى وسط المدينة. وقد ضعت في البحث عن المحطة اذ يوجد اكثر من واحدة. لكني وصلت اخيرا، مرة مستعينا بالخرائط واخرى مستعينا بالسؤال، والاميركي متعاون جدا فهو لا يتواني عن الرد على سؤالك حتى لو كان على عجلة من امره.

خلال وجودي في المحطة تعشيت اكل "كوبي"، فاصوليا سوداء ورز وبسكوت او "شيبس مالح" مع زجاجة عصير برتقال طبيعي متوسطة الحجم وقد كلفتني هذه الوجبة اربع دولارات فقط.

اثناء انتظاري للقطار، الذي كان مقررا ان ينطلق على التاسعة والنصف، اقترب مني عدد من الاشخاص السود. كانوا يحاولون التسول.

لكن احدهم، وكان يستند على عكاز ويضلع في مشيته عرض عليّ شراء ساعة "بوما" مستعملة وبلاك وسلسلة ذهبية. وطلب في كل هذه "التجرة" نحو سبعين دولارا...

بدأت حديث معه، لم افهم ثلاثة ارباعه الصحيح، لان لهجة او لغة الافرو-اميركان هنا معقدة.

طلبت منه ان يبيعني الساعة فقط، ولم اكن جديا بالطبع، وقد طلب ثمنها 43 دولارا مدعيا انها حقيقية وليست تقليد وان ثمنها  مائة دولار في محل المجوهرات. لكني ساومته حتى نزل الى خمس دولارات وبعدها رفضت شراء الساعة. لكنه طلب مني ان اعطيه الخمس دولارات بحجة شراء تذكرة للعودة الى بيته، لكني رفضت ايضا. فمثل هذا الرجل كثيرون هنا خاصة في وسط البلد في ساعات المساء.

بعد دقائق كان الرجل قد دخل الى الحمام وخرج بملابس افضل وبدون عكاز، وعرفت ان حال التوسل من بعضه، عندهم وعندنا...

خلال وجودي في المدينة كنت احاول مراقبة حركة السوق والبيع والشراء، هنا موسم تنزيلات الان، لكن الغريب ان الحركة كانت دائما بطيئة ولا يوجد اقبال على الشراء.

قد يعود السبب الى انتهاء فترة اعياد الفصح . لكن هنا يتحدث الجميع عن الازمة الاقتصادية وتاثيرها على دخل المواطن...

بحسب معطيات ادارة الرئيس الاميركي اوباما فان العائلة الاميركية العاملة خسرت منذ عام 2000 وحتى عام 2007 حوالي 2000 دولار من دخلها الشهري. وفقد 760 الف مواطن اميركي عملهم خلال العام الماضي، ومن المقدر ان ترتفع نسبة البطالة هذا العام لتصل اعلى مستوى لها في حدود 8%, وقد هبطت حركة الاسواق خلال العام الماضي بنسبة 40%. وخسرت صناديق ادخار المتقاعدين نحو 2 تريليون دولار، التريليون الف مليار. وتجمدت تقريبا حركة الاقراض بسبب فقدان السيولة وخوف البنوك الدائنة. وفقد الملايين قدرتهم على سداد الديون. وعجزت المصالح الصغيرة والمتوسطة والكبيرة عن تدبير قروض لادارة عجلة الانتاج..

بالمجمل فان الازمة الاقتصادية كان طاحنة وخاصة للطبقة الوسطى التي تتركز خطة الرئيس اوباما على انقاذها تحديدا. وقد وعد في خطته بتوفير 5 مليون فرصة عمل.

وقد اطلق اوباما على هذه الوظائف التي يسعى لخلقها تسمية الـ" Green Jobs " وهو مصطلح جديد في الاقتصاد، وقد ترك للناس تعريف هذا المصطلح الذي يقال انه يعني عمل اقتصادي موائم للبيئة، اقصد هذا اقرب تعريف لمصطلح اوباما الجديد...

وفي الولايات التي زرتها شاهدت حركة ضخمة لاعادة تأهيل للطرق والجسور ضمن خطة لتحسين البنية التحتيةـ التي لا تحتاج تحسين اصلا، لكن الادراة هنا تدفع بهذه العطاءات لتحريك عجلة الاقتصاد، فخطة اوباما ليست متحمسة لانقاذ البنوك واصحاب رؤس الاموال الضخمة.

وهذا الامر قد يفسر سبب غضب " Wall Street " من ادارة اوباما الاقتصادية فقد حصل الرئيس على 59 نقطة من 100 في استطلاع شمل نحو ستين محللا واقتصاديا الشهر الماضي وهذا يعني نسبة متدنية لاداء الادارة الاقتصادي.

وامس طلب اوباما من الكونغرس الموافقة على اقتطاع 100 بليون دولار لزيادة مساهمة اميركا في صندوق النقد الدولي، الذي تقرر في قمة العشرين زيادة وارداته الى 500 بليون دولار ثم الى 750 بليون دولار على ثلاث مراحل ضمن سياسة الاقراض الجديدة التي تبناها الصندوق.

على ان هناك امرا غريبا يحدث في الولايات المتحدة، او، بالاحرى الاقتصاد العالمي، ان ان قوة الدولار لم تتأثر كثيرا. فقد كان مقدرا في ظل اسوا ازمة اقتصادية يشهدها العالم منذ ازمة "الكساد العظيم" عام 1929 ان ينهار الدولار تماما. لكن هذا الامر لم يحصل وقد فسر رئيس صندوق النقد الدولي سبب عدم انهيار الدولار لثقة الناس بقدرة الاقتصاد الاميركي على الخروج من الازمة.

وهنا يتوقع بعض المحللين ان تبدأ الازمة بالانحسار او يبدأ الاقتصاد بالتحسن مع دخول شهر تشرين الاول (اكتوبر) القادم...

ما علينا...

المهم ان خطة الرئيس الاميركي تركز اساسا على انقاذ الطبقة الوسطى، ومنها تقليص نفقات الصحة العائلية بحدود 2500 دولار سنويا للعائلة وشطب الضرائب على او اصلاح نظام الضرائب على الاعمال الصغيرة والمصالح العائلية وتقديم مساعدات نقدية مباشرة للعائلات التي عجزت عن سداد ديونها...

يقال، او قال ليّ الكثيرون، ان المواطن الاميركي يعيش بالدين، اقصد انه يشتري ويبيع على بطاقات الائتمان، والفرد الاميركي عنده تسع بطاقات ائتمان بالمتوسط، وهنا بامكان الانان شراء سندويشة او كوب قهوة بالبطاقة. اما عندنا فلا تستطيع ان تشتري جهاز تلفزيون بمائة دينار على البطاقة...

المهم...

كانت خسائر بطاقات الاتتمان او الديون المتراكمة على الاميركي قد قدرت بنحو تسع تريليون دولار...

 ومن اكثر الاعلانات التي شاهدتها هنا هي لمكاتب شركات محاماة تعرض على الاميركي المديون خدمات جدولة او كيفية التعامل مع البنوك والديون.

لا ادري ما اذا كانت الازمة الاقتصادية ام العادة التي تجعل الاميركي مقلا في استخدام الموبايل. فنادرا ما شاهدت اميركي يتحدث في الموبايل هنا.

ومع ذلك فهنا استثناءات، فمن اطرف الاخبار اليوم ان شابا ارسل لصديقته خلال شهر 217 الف رسالة وقد وصلته فاتورة تقدر بـ 26 الف دولار...!

كنت في وسط البلد وقد زرت مبنى جريدة "شيكاغو تريبيون" التي اعلنت افلاسها مؤخرا. وكان في الاخبار قبل اسبوع ان واردات الاعلانات للصحف انخفضت هذا العام بنسبة 15% واعلانات التلفزيون بنحو 8،7%.  وان المعلنيين بداؤوا يتوجهون اكثر نحو الانترنت لانه يتيح لهم تقدير الحجم الحقيقي لفائدة او جدوى اعلاناتهم...

كان في ذهني انني اتيت الى اميركا، حيث مستوى المعيشة المرتفع للناس، وحيث كل شيء يباع بالدولار العزيز الغالي. واكتشفت ان الحياة هنا، على استهلاكيتها، قد تكون ارحم كثيرا من بعض دول العالم الثالث.

يمتلك المواطن هنا مئات الخيارات للحياة. فبامكانه التسوق من ماركات عالمية بالاف الدولارات او الذهاب الى مولات تبيع بارخص الاسعار.

دخلت امس الى "مقهى" وقد طلبت كوب قهوة كبير. لكن عاملة المحل طلبت مني ان انتظر لحين تبديل القهوة التي في الماكينة واعداد قهوة طازجة.

انتظرت نحو خمس دقائق، وعندما اعطتني طلبي رفضت ان تتقاضى ثمن القهوة وقالت :" هذا ضيافة محل لاننا جعلناك تنتظر"...

على أي حال، قد لا يعني كل ذلك ان اميركا ارض الاحلام فعلا. فالفوارق الطبقية هنا ضخمة جدا، بضخامة كل شيء في هذا المجتمع. وبالامكان مشاهدة ملامح الفقر الشديد على وجوه الكثيرين خاصة الهيسبانك او السود او الاعراق الاخرى. كما بالامكان مشاهدة مظاهر الترف والثراء الفاحش مثل سيارات اللموزين او الفنادق والمطاعم والماركات والمحال التجارية الفخمة...

بكفي...

تعليقات

Comment Icon

يعجبني في تدويناتك الاميركية - إن جاز لي التعبير - مقارنة ما تشاهده هناك مع ما نشهده في الاردن .. الشحادين مثلا !

تحياتي لك : - )

عبير هشام ابو طوق | 22/04/2009, 21:02 [ الرد ]

Comment Icon

تدويناتك عن أمريكا رائعة جداً !

كل الود

رشاد | 22/04/2009, 22:30 [ الرد ]

Comment Icon

صباح الخير
شكرا لكم

محمد عمر | 23/04/2009, 13:37 [ الرد ]

Comment Icon

شو بابا شايفتلك عجبتك القعده ما حلك ترجع يا زلمه؟

reemi | 23/04/2009, 16:13 [ الرد ]

Comment Icon

بكرة راجع وبصل السبت الصبح..اشتقتلكم...

محمد عمر | 23/04/2009, 16:20 [ الرد ]

Comment Icon

لا حزنتني على الشعب الامريكي وازمته الاقتصادية ... اما مش فاهم مازال عندهم ازمة اقتصادية ما يحلوا عن سمواتنا وياخدوا جيوشهم من العراق والخليج وافغانستان ويوفروا مصاريف الحرب للشحادين في الشوارع ... بس ل6 مارح يصير بتعرف ليش لانه مش ثقة الناس بالدولار هي اللي ماخلته ينزل لكن الدولار المسيطر على البترول بقوة السلاح

امجد | 01/05/2009, 06:59 [ الرد ]

Comment Icon

رحلة جميلة

hanan | 09/05/2009, 10:22 [ الرد ]

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba