كنت غادرت عمان في ساعة مبكرة من صباح اليوم نفسه، وطرت على متن الخطوط التركية الى اسطنبول ومنها الى "الرباط"، فكانت رحلة مرهقة، لكنه كان اسرع وارخص خط اذ كلفتني التذكرة 720 دولارا.
اثناء تقليبي في القنوات الفضائية لفتت نظري قناة كانت تبث مسلسل "صح النوم" السوري بالابيض والاسود، فتركت نفسي لمشاهدة المسلسل من باب "النوستالجيا".
ولاجل الصدف كانت الحلقة التي تبث، تدور عن المشكلة التي يعانيها "حسني البورزان" في كتابة مقاله الصحفي الاول وقد علق في المقدمة:" اذا اردنا ان نعرف ماذا يجري في البرازيل، علينا ان نعرف ماذا يجري في اطاليا". المفارقة ان "حسني" عين في الصحيفة لكتابة زاوية "سياحية" عن بلدان العالم وهو لم يغادر "حارة كل من ايدو الو" قط.
ما علينا...
ليس مهما مفارقة تعيين "البوزران" وتكليفه الكتابة عن شيء يجهله فهذه عادة اغلبية الصحف والصحفيين العرب منذ بدأ "التصحيف" في بلادنا.
المفارقة التي كانت في مقدمة مقال البورزان شدتني طيلة الرحلة، فرحت اعمل مقارنات بين الاردن والمغرب في كل الاصعدة، لا بل بين الدول العربية التي تمكنت من زيارتها.
بداية، شكرا للصين التي أصبحت تنتج ثلثي الإنتاج العالمي من السلع، وتصدرها الى كل زاوية في ارجاء المعمورة.
وشكرا للصين لأنها أتاحت للفقير كل ما كان يحلم بامتلاكه من سلع بأسعار رخيصة حتى لو كانت مقلدة.
لو نحينا جانبا الفوارق الطبيعية وبعض الفوارق الاخرى بين الاردن والمغرب والدول العربية الاخرى، وهي لم تعد كثيرة بالمناسبة، لوجدت ان العالم بدأ يخطو نحو "التماثل" اكثر فاكثر.
في المغرب، في شوارع الرباط، او، في شوارع مراكش، واينما ذهبت وباستثناء بعض الفقراء جدا والشيوخ والعجائز الذين يلبسون الزي المغربي، تتجول الناس،اغلبها، بنفس نوعية وموديلات والوان الملابس المنتشرة عندنا.
خلال وجودي في الرباط، قرأت سلسلة مقالات لصحفي مغربي "عبد الكريم القمش" في صحيفة "اخبار اليوم" يتناول فيها ذكرياته في سجن اميركي.
في احدى حلقات السلسلة يقول القمش انه عندما كان يعمل بائعا في محل لبيع الملابس الرياضية في اميركا كان يلفت نظره اقبال "الاميركيين السود" على شراء الملابس الغالية والمبهرجة مقابل تقشقف الاميركي الابيض وتواضعه في الشراء، وكانت هذه الظاهرة تحيره حتى اكتشف ان السبب يعود لعصور الاضطهاد الطويلة التي كان يمنع فيها على "الاميركي الاسود" ان يأكل وينام ويضاجع ويلبس باختياره، بل باختيار سيده، فعندنا تحرر وارتفع مستوى معيشته اقبل على الحياة والاستهلاك بلهفة كانه يريد التعويض فبالغ. يعني على رأي المثل العامي عندنا :" هجين ووقع في سلة تين".
ويبدو ان ما حصل مع "سود اميركا" بات يحصل عندنا، فما وفرته الصين للناس سمح لهم بارتداء، بل في المبالغة في اقتناء وارتداء كل السلع التي كانوا محرومين منها. فباتت شوارع بلادنا وكانما هي جزء من "كرنفال الريو" لشدة مبالغة "الفقراء" وابناء الشرائح المتدنية من الطبقة الوسطى في الانفاق على هاته الملابس وبذوق يخلو تقريبا من الاناقة ويميل للمبالغة.
على ان اكثر التماثل يجري عند "المتدينين المسلمين"، وكأن الاسلام الذي انتقل من الاسلام "الشعبي" الى الاسلام "العالم" ينتقل الان الى الاسلام "المعولم" بنكهة اميركية - صينية.
ففي المغرب، وكما هو حاصل، عندنا تنتشر بكثرة ظاهرة ارتداء غطاء الرأس "الحجاب" على اكثر الملابس العصرية اغراء وبهرجة مع المكياجات الصارخة.
ولو اغمضت عينك عن حقيقة انك في شارع رباطي او مراكشي والتفت للناس لن تعرف انك هناك، بل ستعتقد انك في شارع عماني.
كيف تغير هذا العالم، الولايات المتحدة الاميركية، قمة العالم الرأسمالي تغزو العالم بثقافة "نمط الحياة" او الـ life style ، فيما الصين، قمة العالم الاشتراكي تنتج وتصدر وتغزو العالم بسلع هذه الثقافة.
لا يكفي ما تنتجه الصين من سلع هذه الثقافة، بل ان اكثر اسطوانات الـ"دي في دي" المقرصنة من البرامج الى الافلام والمسلسلات الاميركية تقرصنها وتوزعها الصين على العالم.
على ان الحياة هناك زاخرة ايضا بالكثير من "التماثل العولمي الصيني والشرق اسيوي"، فالمحال التجارية والبسطات المنتشرة على ارصفة الشوارع تعرض نفس البضائع وباسعار مقاربة للاسعار عندنا، لا بل ان عادات البيع والعرض تكاد تكون متماثلة تماما.
لكن هناك ما هو اعمق كثيرا من "توحيد" سلوك الناس في الملابس، فهناك توحيد شبه كلي للسلوك الاستهلاكي للناس، ففي كل زاوية من زوايا الشوارع عندهم تنتصب مطاعم "الفاست فود" الاميركية، وقد دخل عليها بعض الدول الاخرى مثل الطعام الصيني او التايلاندي، كما هو واقع الحال عندنا، وبدات الناس تميل الى تعاطي هذه الاصناف اكثر من أي صنف تقليدي اخر.
قالت ليّ صديقة بريطانية كانت معنا في المؤتمر، ان في المغرب قولا معروفا بانك :" اذا اردت ان تعرف المغربي من الاجنبي فانظر متى يأكل الكوسكوس".
المعروف ان المغربي يطبخ "الكوسكوس" يوم الجمعة عادة، أي يوم العطلة، وهي عادة اردنية وفلسطينية كذلك، اذ نطبخ المنسف او المسخن او الملوخية يوم الجمعة، لكن السائح يهمه ان يأكل هذه الاطعمة التقليدية سيان كان جمعة او اربعاء.
ولأن العالم "تعولم" واصبحت موضوعات "الاصالة والمعاصرة" جزءاً من "السياحة" العالمية، فان عمليات ترميم المعالم القديمة واعادة احياء التراث باتت مطلبا لجلب السواح اكثر مما هي عملية للحفاظ على ذاكرة كل امة، او عملية لربط ماضي الشعب بحاضره.
ففي المغرب كما عندنا تجري عمليات ترميم واسعة للمعالم الاثرية بهدف جلب السواح، وتحولت الكثير من المطاعم لتقديم الاطعمة التراثية بطرق حديثة لجلب السواح عندنا، وخاصة المغتربين، فكما انتشرت عندنا مطاعم متخصصة في اعداد المنسف والمسخن وتوصيلها للبيت تنتشر هناك مطاعم على هذه الشاكلة.
وهكذا فقد اصبح بامكان السائح او المغترب تناول الكوسكوس او المنسف او الملوخية "ديلفري" او بصحن وشوك ومعالق بلاستيكية وع السريع...وكذلك "الشاورما" التركية، التي تكاد تصبح اشهر من الـ"ماك"...
خلال وجودي في "مراكش" لاحظت ان مئات الاجانب، واغلبهم فرنسيين اشتروا مئات المنازل "العربية – الاندلسية" الطابع، واعادوا ترمميها وحولها الى فنادق او مطاعم، كما هو الحال مع "وسط البلد" عندنا او كما الحال مع "دمشق القديمة" بالضبط. بفارق ان الاجنبي لم يدخل عندنا هذا الخط بعد...
في "مراكش" يقتني الاجنبي المنزل الاندلسي ويحوله الى فندق ويعمل المغربي المالك، عاملا او خادما عنده.
عندما كنت عائدا من "مراكش" الى "الرباط" في القطار جلست الى جانبي امراة مغربية "حنان"، جملية جدا في أواسط الثلاثين من عمرها. تعرفت اليها وبدأت الحديث معها. وعرفت منها انها تعمل لدى امرأة "سويدية" امتلكت إحدى هذه البيوتات وحولتها فندقا.
"حنان" تعمل موظفة استقبال في فندق السويدية، الذي اعطي اسما مغربيا اصيلا، نسيته، وكانت مسافرة من "مراكش" الى "طنجة" لزيارة صديقة لها، كما أخبرتني.
لكني علمت من بعض المغاربة ان كثيرا من النساء العاملات في "المتعة" يهاجرن صيفا الى "طنجة" المدينة "الكوزمبولتية"، مدينة الخبز الحافي، لانها الاكثر جذبا للسواح الباحثين عن "المتعة".
المهم،
كل شيء مخصص لجذب السواح، المهرجانات، التقليد، الاصالة، الفنادق، كل شي..
في المغرب تعمل الدولة على خطة لجذب 10 ملايين سائح سنويا بحلول العام القادم، بلغ عدد السواح هذا العام حوالي ثمانية ملايين، بينهم نحو 700 الف مغترب مغربي.
وكما يحصل عندنا، فان اجهزة الدولة تستنفر في الصيف لمواجهة تدفق السواح، لكن المغتربين بالاخص، وتنسق المغرب مع اسبانيا لمواجهة الاعداد الضخمة من المغتربين القادمين من اوروبا عبر البحر في عملية يطلق عليها "عملية العبور"، وهذه السنة كان هناك خلاف مغربي مع شركات النقل البحري الاسبانية التي رفعت اجورها بمقادير كبيرة بحجة "اسعار الموسم".
عندما كنت في المغرب قرأت معطيات مثيرة ومقالات كثيرة تناقش وضع المغربين المغتربين، عرفت انه يوجد في اوروبا نحو 2 مليون مغربي مغترب، 78% منهم حصلوا على جنسيات اوروبية. وكان هذا الامر مقلقا للحكومة ولبعض الكتاب، اذ كان يدور النقاش حول "الانتماء" والهوية الوطنية، والازدواجية.
وخلال وجودي هناك كان موظفا مهما في وزارة الخارجية المغربية قدم استقالته بعدما تبين انه حصل على الجنسية الاسبانية الى جانب الجنسية المغربية.
كما اثيرت ضجة كبيرة على نائب من حزب العدالة والتنمية، عبد العزيز افتاتي، لانه بعث برسالة الى السفير الفرنسي يطلب منه فيها معالجة مسؤول مغربي من نفس حزبه، نور الدين بوبكر، يحمل جنسية فرنسية اضافة الى المغربية، اصيب خلال مواجهات مع الشرطة اثناء الانتخابات البلدية لولاية "وجدة" التي حصلت الشهر الماضي.
وقد اعتبر وزير الداخلية المغربي، شكيب بنموسى، هذه الرسالة بمثابة "استنجاد بالاجنبي وخرق للسيادة الوطنية"، وحشدت الوزارة، التي يطلق عليها بعض الصحفيين هناك "ام الوزارات"، كل امكاناتها ضد هذا النائب. لدرجة انها اوحت للنواب الموالين لها في البرلمان باصدار بيان ضد النائب.
ورغم ان الحزب استنكر رسالة النائب واعتبرها تصرف فردي مرفوض، ورغم ان النائب قدم استقالته من الحزب الا ان الهجمة على الحزب تواصلت.
وقد تشعبت جهات النقاش في هذا الموضوع، فمن نقاش حول استهداف الاسلاميين ممثلين بحزب العدالة والتنمية ومحاولة تحجيم هذا الحزب لصالح "حزب الاصالة والمعاصرة"، حزب صديق الملك، فؤاد عالي الهمة76، الى نقاش في الهوية الوطنية المغربية والمخاطر المحدقة بها.
المهم،
اوجه التشابه هنا كاملة: الهوية، استهداف الاسلاميين ودورهم، حزب الاصالة والمعاصرة، مثل حزب عبد الهادي المجالي عندنا، البرلمان ودور وزارة الداخلية في الكتل البرلمانية، أي المظلة الامنية....الخ
عندهم ايضا مشكلة "هوية" عندهم ايضا "حراس الكوسكوس" مثل "حراس الجميد" و"حراس الملوخية" و "حراس الارز" و"حراس التبولة" و "حراس الطعمية"...الخ
ماذا ايضا..
على سيرة المغتربين وسلوكهم اثناء الاجازات في بلادهم "الاصلية" كنت خلال رحلتي من "مطار الملك محمد الخامس" في الدار البيضاء الى الرباط قد شاهدت سيارة "غولف كوبيه حمراء" يتمختر سائقها على الاوتستراد كأنه ملك والده. وقد لاحظ السائق استغرابي. فقال ليّ:" هاي نمرة فرنسية، تشوفه مغترب يعمل في فرنسا باوسخ مهنة ويجي بلده يعمل باشا"...
كل شيء تقريبا: المشاريع "الضخمة"، تشجيع الاستثمار، المغتربين، السياحة، البنوك، الصراف الالي، البطاقات البلاستيكية...
خلال "الطفرة البترولية" الاخيرة تدفقت على المغرب مليارات الدولارات للاستثمار، وقد تركز اغلبها في مشاريع "سياحية" وخدماتية، مارينا بحرية خمس، بل سبع نجوم، فنادق، مولات، سولديرات "وسط مدينة"...
تكتفي الدولة بفتح "شباك استثمار"، مثل عندنا، لكن نحن نطلق عليها "نافذة الاستثمار"، للتسهيل على المستثمر ومنحه الأرض بأجور رمزية وطرد "السكان" او الاستثمارات الصغيرة واقامة البنية التحتية وتترك للمستثمر "المدلل" حرية التصرف.
عندما كنت اقرأ في الصحف المغربية حول هاته القضايا لم اكن اجد أي فرق مطلقا بين مشاكل المغاربة وشكواهم وبين مشاكلنا، الاختلاف الوحيد في الأرقام وأسماء المسؤولين. لكن المستثمر واحد تقريبا.
نفس الفساد ونفس البورصة ونفس القوانين والنقاشات، ونفس الشكوى من عدم جدوى الاستثمارات، وعدم انعكاس نسب النمو على الوضع المعيشي للناس، وتدليل المستثمر على حساب "الهوية الوطنية" وعلى حساب الفقراء...الخ.
بكفي تأخرت على الدوام، بكمل بعدين...
أشكرك، شعرت بأني قمت بجولة في أنحاء المغرب.
أراك قريبا
رماح
رماح | 24/07/2009, 16:09
يسعد مساك .. قرأت التدوينـة مرتين
و أعدت التفكير في بعض ما حملته أسطرها من شجون و هموم مرات عدة .
سرديتك ليست سردية عائمة تطوف على رأس الأفكار بل سردية عميقة تدخل في لب و جوهر الهم و الشجن و الفكرة.
غنية جدا هذه التدوينة ..
دمت بخير ..
فـاخـر النـحـال | 24/07/2009, 11:12 [ الرد ]