زمان يا حبّ...!
30 تموز, 2009

امس سافرت ابنتي الصغيرة "ميسو" إلى لبنان لوحدها، ستقضي هناك، في "زحلة"، إجازة مع صديقة لها، وقد ورد في الأخبار أن مليون سائح دخلوا لبنان خلال هذه الصيفية، وامس أصبحوا مليونا وواحد.

خلال وجودها في لبنان ستحضر حفل لـ"تامر حسني" مرة اخرى، هوسها..

بالمناسبة، اليوم كان احد الكتاب في الصحف يندب هوس الشباب العرب بمايكل جاكسون، ويشق أثوابه على دور الفضائيات العربية في تعميم "التفاهة"، وكأن الوضع العربي كان "جنة عدن" قبل اختراع التلفزيون.

 وكأننا، الجيل القديم، تركنا ذخائر علم وانتصارات مجلجلة لجيل جديد أضاعها ولم يبكي عليها كالنساء.

ما علينا....

لماذا يصر الآباء دائما على مقارنة حيواتهم بحيوات أبنائهم؟

أمس الأول انتهيت من قراءة كتاب الشاعر الفلسطيني "مريد البرغوثي"، "ولدت هناك، ولدت هنا"..

في احد فصول الكتّاب، يجري مريد مقارنة بين حياته، مدرسته، ما توفر له في زمانه، وبين حياة وما توفر لنجله الشاعر المعروف "تميم البرغوثي".

لو أردت أن أقوم بمقارنة بيني وبين ابنتي "ميسو"، بين حياتي وحياتها، ستكون فكرة السفر وركوب الطائرة أغربها.

أول مرة تغربت فيها عن "عمّان" كانت رحلة قصيرة إلى "حي جناعة" في "الزرقاء" مع امي، لا ادري كم كان عمري بالضبط، ربما كان خمس سنوات أو أكثر قليلا.

بعدها تغربت الى "الغور" و "المشارع" في رحلة مدرسية في الصف الأول، مع كيس ورق فيه بيض وبطاطا مسلوقة وحبة خيار وحبة بندورة ورغيف خبز.

كان علي أن ابلغ العشرين من عمري، او اقل بسنة، لأركب الطائرة أول مرة في حياتي من بيروت إلى عدن مرورا بالكويت.

جلست في الطائرة مرعوبا، ليس من خوفي من الطيران، إنما من خجلي أن أأتي بأي حركة قد تزعج الركاب والمضيفات الجميلات لخطوط "الميديل ايست" اللبنانية.

كان لدينا انطباع قوي عن المضيفات يثير نوع من الرهبة، لا ادري من اين أتى.

كان العمل كمضيفة حلم اغلب زميلاتنا في الجامعة.

 الآن، تغير الوضع كثيرا، وأصبح اغلب ركاب الطائرات يتعاملون ببساطة من المضيفات اللواتي لم تعد شركات الطيران تضع شروطا قاسية لاختيارهن، خاصة في مقاييس الجمال واللون والعمر.

المهم...

بعد معاناة وتفكير طويل، تجرأت على الطلب من جاري، الذي كان يلبس بدلة وربطة عنق على جاري عادة اغلب المسافرين بالطائرة في "زماني" والزمان الذي سبقني.

تجرأت وطلبت منه ان يفسح لي المجال في المرور لحاجتي في الذهاب الى دورة المياه.

اليوم يسافر الكثير من الناس على الطائرة بالشوراتات، وبعضهم بالبوكسرات او البيجامات التي صار اسمها "تريننغ سوت"، مش هيك بصير في بلاد العم سام، ولا انا غلطان...!

بعد معاناة أيضا في البحث عن كيفية فتح باب الـ" W.C" وخوفي من أن أكون فتحت بابا آخر قد يسقط الطائرة، وقفت افرغ مثانتي وأنا أتأرجح ذات اليمين وذات الشمال ما جعلني "اطرطش" على "سيفون" المقعد.

لشدة خجلي، أو خوفي من أن اكتشف قمت بمسح المقعد بالورق الصحي لأترك الحمام نظيفا لمن بعدي.

المهم...

بحثت عن "سحّاب" السيفون فوجدت زرا كتب عليه " Bush" فضغطت عليه فانفجر الماء مع صوت شديد، فأخذت ارتجف من خوفي، وخشيت ان أكون ضغطت على زر خطأ، معتقدا ان الطائرة سوف تسقط، أو إنني ارتكبت خطأ ما سوف تأتي المضيفة الجميلة وتبهدلني عليه.

كان ركوب الطائرة لأول مرة معاناة حقيقية من الخجل والخوف من إزعاج الآخرين وخاصة المضيفات والارتباك لا يقل عن خوفي الدائم والمزمن من دخول فنادق الخمس نجوم والتحدث مع موظفي الـ" Reception". وكذا رعبي من أقراص أو أزرار الهاتف الذي لا يزال يتملكني إلى الآن كلما حاولت الاتصال بأحد، خوفا دائما من الوقوع بالخطأ "المميت".

الان، تسافر ابنتي، ابنة الثالثة عشر، لوحدها.

كما لو أن الأمر تحصيل حاصل حملت "ميسو" جواز سفرها، وذهبت إلى المطار بدون تذكرة، فقد كان الحجز تم عبر الانترنت. فيما كان عليّ حين سافرت أول مرة أن أتفقد تذكرتي كل دقيقة خشية فقدانها.

لم تكن "ميسو" بحاجة ليّ او لأمها لنقلها الى المطار وتوديعها، بل ذهبت برفقة "ريمي" التي بقيت معها الى ان اطمأنت الى دخولها الى الطائرة وعادت، وكأن "ميسو" اعتادت السفر بدون مستقبلين ومودعين.

زمان كانت تقام حفلات ومهرجانات لمن يسافر بالطائرة وتخرج كل عشيرته لتوديعه او استقباله...

"ميسو" سوف تبقى عشرة أيام أو أكثر في "زحلة" او "جارة الوادي" على رأي احمد شوقي، كسائحة..

كنت دخلت "زحلة" مرورا إلى "الهرمل" لزيارة صديقي "اسماعيل" عام 1982 بعد حصار بيروت بأيام بمغامرة كانت ستودي بحياتي على واحد من أسوا حواجز حزب الكتائب. كنت كتبت مدونة عن هذا...!

ما علينا...

لو اردت ان اجري مقارنات بين جيلي وجيل "ميسو" او "ريمي"، ما كان متوفرا لنا وما صار متاحا لهن، لما توقفت ابداً..

لكن، ما أريد ان اقوله كان قاله الامام علي بن ابي طالب قبل قرون:" لا تكرهوا ابناءكم على أخلاقكم لأنهم خلقوا لزمان غير زمانكم ".

الحال، ان الزمان تغير، والعصر كذلك، وعلى رأي الكاتب المصري جلال امين فهو "عصر الجماهير الغفيرة"، العصر الذي صار بإمكان جمهرة الناس استخدام ما لم يكن نحلم به حتى.

وليس في هذا أي منة لاحد على احد، فليس للاب منة او فضل على أبنائه، إنما هو الزمن تغير فغيرنا...

انه الزمن الذي اتاح فيه العلم والتقدم لأغلب الناس التمتع بكل منتجاته ومخترعاته، وليس فقط تحسن دخل الفرد، وان كان هذا التحسن حقيقة ايضا...

 انه العصر الذي جعل الإنسان "يعي فقره" ويخرج شاهرا سيفه ضد الأب أو السلطان ان لم يكن لديه سيارة او هاتف خلوي او لم يتمكن من ركوب الطائرة او لم يتملك شقة...

"عالمنا تغير كله"...

الفرق بينا وبين أبنائنا، إننا لم نكن "نعي فقرنا" لان اغلب الناس كانت تعيش بمستويات متقاربة، أما الان، مع كل هذا التقدم العلمي، ومع الإنتاج الموسع للسلع والخدمات، ومع الفارق الطبقي الهائل، وثورة الانفوميديا، وتعميم نمط الحياة الأميركي، فان الناس أصبحت "تعي فقرها"، فالفقر ليس محركا لاستياء الناس بحد ذاته إنما وعيّ الفقر.

زمان كان ثمن تلفزيون اسود وابيض 20 بوصة أكثر من 300 دولار، الان ثمن تلفزيون ملون 20 بوصة ثمنه اقل من 100 دولار...!

زمان كان لازم تحجز دور، ويمكن ما يجيك الدور من ثلاث سنين لتركب خط هاتف، الآن بتقدر تشتري خط خلوي من بسطة ع سقف السيل...

زمان كانت الرجال بشوارب تتسمر قدام التلفزيون حتى تشوف شق صدر او غمازات سميرة توفيق، اليوم فخاد هيفاء وهبي وانجلينا جولي بتعرض ببلاش على شبكة الانترنت وما حد مطلع...

زمان كانت الناس تخاف، واذا سمعت واحد بنتقد الحكومة تهرب منه وتشك انه "مخابرات" اليوم لسة الناس بتخاف...!

ليس لأحد على احد أي فضل ابداً، انما هو العالم تغير فغيرنا، بس في أشياء وأشياء...!

تعليقات

Comment Icon

بالسلامة للست ميسو
ما ضل شئ على حاله ، بس العرب موش فالحين في اشء بس احان شعوب مستهلكة نفسي يكون في شو من هذا الزمان من صنعنا او نقدم شيء للبشرية غير البترول

غسان | 30/07/2009, 13:45 [ الرد ]

Comment Icon

ما جعلني "اطرطش" على "سيفون" المقعد.

لشدة خجلي، أو خوفي من أن اكتشف قمت بمسح المقعد بالورق الصحي لأترك الحمام نظيفا لمن بعدي.

هسع كبرت وتقرحت وصرت تخلي شختك للي بعدك

ابوزمع | 30/07/2009, 22:04 [ الرد ]

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba