كان من المفروض أن أكون الان على متن طائرة الملكية الأردنية المتوجه إلى نيويورك، لكن "إجراءات أمنية عشوائية" حالت دون سفري،،،
السفرة كانت للمشاركة في برنامج الزائر الدولي للإطلاع على "التجربة" الأميركية في الصحافة الالكترونية، لكن الفيزا تأخر صدورها بسبب التدقيق الأمني،،،
مع العلم أنني امتلك فيزا، من نوع آخر، صالحة لمدة خمسة أعوام،،،
على أي حال، خيرها بغيرها...
أتصور، إنني كنت أتوقع من نفسي، وربما يتوقع آخرون، بأنني سوف اكتب اليوم مدونة خاصة في "ذكرى النكبة"، بصفتي لأجيء ابن لأجيء وأب للاجئتين،،،
بشر مؤجلون في انتظار الفرج القريب، والغد الآتي الذي لا ريب فيه،،،
عندي تفاؤل بـ"الحتمية التاريخية"، يعني "إسرائيل" زائلة زائلة لا محالة، فكل "مصطنع مؤجل" ولو لإشعار اخر،،
لا يمكن خلق أشياء ضد الطبيعة، وإسرائيل كذلك،،
لكن هناك فرق بين "زوال إسرائيل" و "إزالتها" من الخريطة...
"إسرائيل كيان" يحتوي كل عناصر حتفه، ودورنا اما العمل على تشجيع وتحفيز هذه العناصر أو الإطالة بعمرها،،
إسرائيل كيان قائم على الايديولوجيا، وليس اي ايديولوجيا، بل ايديولوجيا عنصرية تحريفية، وهي بـ"نظامها السياسي" الحالي، ومنذ عقدين تقريبا تمعن في هذا الاتجاه، وهو اتجاه قاصر عن صهر عناصر المجتمع، بما في ذلك العنصر "اليهودي" نفسه، الذي تحاول "إسرائيل" تجميعه...
كل الكيانات التي قامت على أساس إيديولوجي بادت، بما فيها دول عظمى كالاتحاد السوفيتي، أو تغيرت 180 درجة كالصين، أو تتحلل وتضمحل ككوريا الشمالية وغيرها...
و"إسرائيل" كيان وظيفي، أو خلق لأداء "دور وظيفي"، لكن إلى متى سيبقى هذا الدور قائما، لا احد يدري، لكنه بدأ يتغير الآن،،،
"إسرائيل" كيان إحلالي، وكل الكيانات "الاحلالية" الاستعمارية بادت، وأخرها نظام جنوب أفريقيا العنصري...
و"إسرائيل" كيان يواجه تحديات من المستحيل حلها:
المشكلة الديموغرافية، ونمو الهوية الوطنية العربية الفلسطينية، ولن تستطيع إسرائيل حل هذه المشكلة لا بالتهجير ولا بالاضطهاد ولا بالاحتلال،،،
محيط عربي و إسلامي شعبي و رسمي إلى حد ما، يزداد عدائية لإسرائيل، بسبب ما جنته على نفسها، ويرفض بشكل متنام كل الحلول الجزئية والمؤقتة التي كانت مقبولة إلى قبل سنوات...
هناك افكار كثيرة تدور في رأسي حول هذا الموضوع، لكني زهقت من الكتابة فيها،،،
سأنتقل الى موضوع اخر،،،
بالصدفة كنت انتهيت ليلة امبارح من قراءة رواية الكاتبة الفلسطينية، سامية عيسى "حليب التين"،،،
الرواية تدور في "العالم السفلي للمخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، وتحديدا "مخيم اوزو"،،،
"اوزو" منطقة حدودية متنازع عليها بين ليبيا وتشاد، وقد قامت بسببها حرب بين البلدين، وفي خضم العلاقة "الطيبة" بين حركة فتح والعقيد الليبي آنذاك، منتصف سبعينيات القرن الماضي، أرسلت "فتح" مجموعة كبيرة من ضباطها وجنودها للقتال إلى جانب ليبيا ضد قوات الرئيس التشادي "حسين حبري"،،،
بعد عودة هؤلاء من القتال، الذي انتهى بتحكيم دولي، وتغير نظام الحكم في تشاد، أقام ضباط "فتح" معسكرا على حدود "مخيم عين الحلوة" المحاذي لمدينة "صيدا" جنوب لبنان،،،
بعد مغادرة قوات منظمة التحرير الفلسطينية لبنان، عام 1982، لجأ إلى هذا المعسكر عائلات فلسطينية هاربة من مجاز مخيمي صبرا وشاتيلا ومن مخيمات اخرى تعرضت لعمليات قتل وإبادة جماعية من قبل القوات الانعزالية اللبنانية بمساندة الجيش الإسرائيلي المحتل،،،
"مخيم اوزو" مثل مخيمات اخرى "مؤقتة" أقيمت على هوامش المخيمات "الأساسية المؤقتة" يفتقر لأسباب الحياة تماما،،
يقطن "مخيم اوزو" عائلات وأرامل شهداء، نساء معزولات ومنسيات، أباء ورجال انقطعوا وانبتوا عن أصولهم وعائلاتهم،،،
بين "اوزو" و "دبي" تدور أحداث الرواية،،،
"حليب التين" رواية صادمة حتى النخاع، أول رواية فلسطينية "ناقدة" حتى الألم والجرح لتجربة الثورة الفلسطينية،،،
رواية تذكر باعمال الجزائري الطاهر وطار، "الشهداء يعودون هذا الاسبوع" و"اللاز" لكنها أكثر "فجائعية"،
رواية عن مصير عائلات الشهداء، ارامل شهداء منسيات تركن لتربية ابناء شهداء في ظل ظروف لا انسانية مطلقا،
عن "أبوات الثورة" الذين اغتنوا بالفساد، والنهب، وضاعوا وباعوا،،،
"أبوات الثورة" الذين لا يتورعون عن التحرش، و"اغتصاب" أرامل الشهداء استغلالا لحاجتهن الإنسانية،،
رواية عن الرجال الذين أنكرتهم "الثورة" وتركتهم يجمعون الخردة والنفايات للحصول على كفاف يومهم، فيما يعيش "أبوات الثورة" في النعيم..
سامية عيسى كتبت رواية بمداد القلب، وابكتني اكثر من مرة...
ومع ذلك،،،
لم استسغ كثيرا "اسرافها" في الجنس خاصة اول 25 صفحة، عندما تسهب في وصف ممارسة "فاطمة"، الاربعينية، للعادة السرية في المرحاض الجماعي..
شعرت انه "جنس مجاني" وغير مقنع إطلاقا، هدفه خلق "بورنوغرافيا اللاجيء"، مثلما فعلت الروائية حزامة حبايب في
"اصل الهوى" إسراف غير مبرر وغير مقنع في الجنس،،
يبدو انه المرأة العربية مصممة على استغلال وضعها الخاص، كطرف مضطهد ومقموع من الذكر، للترويج لإعمالها، مع إنها ليست بحاجة، فقد انتهى وقت إثبات الذات،،،
كان بامكان سامية عيسى ان تكون اكثر اقناعا لي، كقاريء، لو انها استغلت اغلب مساحة الورق في البحش بكل مساؤنا، في البحش في الالم الانساني للاجيء،،،
المهم،،،
اي كانت الملاحظات على الرواية، كقارئ اعتقد انها رواية تستحق ان تقرأ، وهي رواية تنضم الى الأصوات الفلسطينية التي بدأت ترتفع في الأدب الفلسطيني، متخلية عن النزعة الرومانسية، لتقول إننا بشر، كسائر الناس، لنا ما لهم، وعلينا ما عليهم، وبنا وفينا ما بهم وفيهم، لذلك نستحق الحياة...
"إسرائيل كيان قائم على الايديولوجيا، وليس اي ايديولوجيا، بل ايديولوجيا عنصرية تحريفية، وهي بـ"نظامها السياسي" الحالي، ومنذ عقدين تقريبا تمعن في هذا الاتجاه، وهو اتجاه قاصر عن صهر عناصر المجتمع، بما في ذلك العنصر "اليهودي" نفسه، الذي تحاول "إسرائيل" تجميعه..."
هذه الفقرة مثال ساطع على الديماغوجيا العربية. وهي زعم لم ينفكّ الأيديولوجيّون العرب يردّدونه منذ قيام إسرائيل.
أمّا القول بقصور إسرائيل عن صهر عناصر مجتمعها، فهو كذبة ضخمة تفنّدها الوقائع وليس التمنيات.
فيهود إسرائيل الذين جاؤوا مِنْ شتّى بقاع العالم وخصوصاً مِنْ بلدان تفتقر إلى أدنى التقاليد الديمقراطية (أوروبا الشرقيّة وروسيا وبعض أمريكا الجنوبية وإفريقيا)، بنوا مجتمعاً حقيقيّاً ومتماسكاً أكثر بكثير مِنْ أي بلد عربيّ "أصيل" و "عريق".
وما يجمع اليهود في إسرائيل هو جامع أو رابط أهم بكثير مِنْ رابط "العرق" و "التاريخ المشترك" و "الأصالة" و "الدم" و "المصير" وباقي الخزعبلات العربيّة؛ فما يجمعهم هو الرابطة الوطنيّة الديمقراطيّة المشتركة، التي يقرّ بها الجميع ويستظلّون في ظلّها. فهم مجتمع حديث وليس مجاميع قبائل وعشائر وطوائف.
وعلى ذِكر "الصهر"، فما يسمّى بالعرب عجزوا حتّى هذه اللحظة أنْ ينصهروا في مصهر وطنيّ يتّخذ شكل الدولة الحديثة، وذلك على رغم "نقائهم" و"أصالتهم" وتجانُس "مجتمعاتهم". وهذا يفنّد أسطورة شائعة ورائجة، وهي أسطورة أنّ "الاستعمار قسّمنا وفرّقنا". فنحن لم نكن يوماً موحّدين حتى نُقسَّم أو نُفرَّق. وإذا كان مِنْ خطيئةٍ ارتكبها الاستعمار، فهي أنّه وحّدنا أكثر ممّا ينبغي وأكثر ممّا نحتمل. ولو كان هذا الاستعمار حصيفاً لجعل لكلّ قبيلة وكلّ طائفة وعشيرة ورهط وجماعة أهليّة بلداً و "دولة".
تقول في مكان آخر: "لا يمكن خلق أشياء ضد الطبيعة، وإسرائيل كذلك". بل العكس هو الصحيح، والإنسان وُجد على هذه الأرض لكي يقهر الطبيعة، وليس لكي يعتصم بها، على ما يفعل أهل الانتصارات الإلهية "والحتمية التاريخية".
على أي حال أنا ألتمس لك العذر يا أبو عمر على "نوبات الوطنيّة" المفاجئة التي تصيبك في "المناسبات الوطنيّة" (وهي نكبات فوق ما هي مناسبات).
Hisham Ghanem | 15/05/2010, 15:25 [ الرد ]