أخيرا، قرر أصحاب البناية القديمة المجاورة لمنزلي إصلاح خزانات المياه المتآكلة التي كانت تسرب كثيرا من المياه كلما حضر الماء في انابيب البلدية...
في اليوم الأول احضروا عمالا، وافدين طبعا، لفك الخزانات هذه والحمامات الشمسية الأكثر تآكلا...
في اليوم التالي احضروا عمالا ومعهم "كمبرسورات" هواء واخذوا في حفر طبقة في السطح. كان صوت الكمبريسة المتداخل مع أصوات العمال وصياحهم يمنعني من التركيز...
اليوم ايضا وانا اجلس الآن على شرفة منزلي أحاول القراءة في رواية "باودولينو" لامبيرتو ايكو يشتت انتباهي صوت ضجيج "بابور" الغاز الذي يستخدمه العمال لتغطية السطح برولات الزفتة المانعة للنش...
ضجيج بابور الغاز ومكبر صوت تجار الأثاث المستعمل وبائعي الخضار المتجولين، صياح بائع الكعك وزوامير السيارات وأصوات الأطفال في الشارع وضيوف جاري الدكنجي "ابو نعيم" تمنعني من التركيز في القراءة على الشرفة التي هربت اليها اتقاء شر اليوم الذي بدأ حارا جدا...
تركت كتابي جانبا وسرحت بنظري في أسطح البنايات الممتدة أمامي على مرمى النظر...
اسطح الابنية مرآة لساكنيها...!
هوائيات التقاط بث شارات التلفزيونات الارضية لا تزال منتشرة بكثافة على الأسطح. اغلبها فقد الكثير من بوصاته الالومينيوم، بعضها سقط تمام واكثرها يكاد يسقط تماما، بعض الهواء في الجو يؤرجح كل الهوائيات التي لم تعد تستخدم بعد انتشار الفضائيات. لكن لا احد من اهل عمان معنيا بازالة هذه الهوائيات وبيعها لتجار الخردة لاعادة تدويرها في زمن عز فيه وغلا سعر حديد التسليح..
الاطباق اللاقطة للشارات الفضائيات تتناثر عشوائيا على اسطح المباني كما لو كانت عيون مفتوحه على اتساعها. فوق كل بناية مؤلفة من اربع طبقات، وهو حال اغلب بنايات عمان، يزيد في احيان كثيرة على عدد الشقق. لواقط واطباق بأشكال وأحجام مختلفة. اطباق سوداء ورمادية وبيضاء نصبت فوق غرف الدرج او على اطاريف السطح او على السطح نفسه بقرب خزانات المياه...
خزانات المياه تتزايد باستمرار، خزانات المتر والمترين المربعين. خزانات حديدية بعضها طلي بدهان الاساس الاحمر لمنع الصدأ، واخرى كثيرة تركت بلون الصاج المصنوعه منه. اكثرها جديد والبعض الاخر متآكل تماما. خزانات بلاستيكية خضراء وسوداء. خزانات مياه جمعت كمصفوفات عددية منتظمة واخرى عشوائية تكاد تحتل كل مساحات الاسطح...
اسطح اسمنتية واخرى مزفته واخرى مبلطة....
مناشر غسيل تلوح عليها ملابس اخرجت للتو من غسالات اتوماتيك ونصف اتوماتيك...
كراكيب، الواح خشب متآكلة، انابيب حديد وريديترات تدفئة مستعملة، كراس محطمة، فرن غاز متآكل، براد مستعمل، بعض اثاث مستعمل تم الاستغناء عنه ووضع على السطح، قطع خشب، بواقي اكياس نايلون وطائرات ورقية علقت بأسلاك حبال الغسيل واعمدة الهوائيات...
بضعة معرشات قليلة من الزينكو الصفيح بعضها صنع على عجل من اجل جلسات مسائية "هادئ". بطانيات وحرمات ربطت على شكل "خيمة" لتجلس فيها نساء البناية المقابلة لنا اتقاء للحر واعين الفضوليين...
شرفات وشبابيك مغلقة باحكام "حصنت" بحمايات حديدية تفنن حدادون في صنعها باشكال والوان مختلفة وثبتت على النوافذ لتحولها الى ما يشبه "كوات" السجون...
غرف درج بعضها سقف بالواح زينكو تم تثبيتها بالطوب. غرف درج تم سقفها بالاسمنت لتستخدم مكانا اضافيا لاستضافة الخزانات والاطباق اللاقطة...
لكن، سطح عمان نظيف من العشوائيات...
لا وجود لملاحق او غرف بنيت كيفما اتفق لتسكنها عائلة صغيرة فقيرة او فتاة او شاب جامعي او رجل وحيد. ولا زرع ولا نباتات كما هو حال اسطح بنايات القاهرة وبيروت ودمشق التي كنت استمتع بالتحديق فيها من شرفات ونوافذ الفنادق التي اقيم فيها كلما شدني السفر...
اسطح قرميدية متنافرة. قرميد اخضر واحمر ثبت على ملاحق قليلة او على اطاريف الاسطح او على اجزاء من الطابق الاخير...
اسطح عمان غابة من خزانات المياه...
اسطح عمان، متقشفة زاهدة بالفرح. اسطح كسولة ترك عليها بتثاقل كل ما فاض عن حاجة ساكني الشقق...
اسطح بطرانه ترك عليها سقط متاع يمكن جمعه وبيعه واعادة تدويره...
اسطح عشوائية، زرعت عليها هوائيات واطباق وخزانات وكراكيب. لكن ليس فيها حياة...
ضجيج بابور الغاز واصوات العمال لا يزال يمنعني من التركيز، سوف ادخل الى غرفتي وادير المروحية لكن طنينها لن يكون اقل رحمة من ضجيج البابور...
"سوى هالقلب يا حلوة ما عنا.. حرام يظل ع فراقك مع الناي..قلب حيران يتنهد مع الناي يشكي وحدته وطول الغياب"...
نفسي ومنا عيني إني أعيش في سطوحكم الخيالي.....
hussain | 10/07/2009, 23:15 [ الرد ]