أحزر من سيأتي إلى العشاء؟؟
21 ايلول, 2007
نادرا ما أتناول طعام العشاء في بيتي، فكما تعرفون أعيش وحيدا واجد مشقة في الأكل وحيدا...

 

نادرة هي المرات التي يزورني فيها احد على العشاء، فعلاقاتي محدودة جدا، امس، كنت مع ضيوف غير متوقعين، ولكن ليس على مائدتي…

 كنت مساء امس ، وبعد ان عدت الى بيتي في الساعة العاشرة مساء، وعادة ما أعود في مثل هذه الساعة لأسباب خاصة، على موعد لمشاهدة الفيلم الاميركي “أحزر من سيأتي الى العشاء؟” “Guess Who’s Coming to Dinner “، وقد قطعت مشاهدتي للفيلم على الساعة الحادية عشرة لمشاهدة الحلقة الثامنة من المسلسل الجميل “الملك فاروق”، وتابعت ما تبقى من الفيلم بعد انتهاء الحلقة.

“أحزر من سيأتي على العشاء؟؟”، هو واحد من الأفلام الكلاسيكية للسينما العالمية، وقد أنتج عام 1967، ولقي صدا واسعا وأثار جدلا كبيرا، وحازت عليه الممثلة كاثرين هيبرون اوسكار افضل ممثلة فيما حاز الممثل سبنسر تريسي اوسكار افضل ممثل.

الفيلم من إخراج ستانلي كرامر، احد أشهر المخرجين الاميركيين، ومن تمثيل الأسود الوسيم سيدني بواتيه اول ممثل اسود يحصل على جائزة الأكاديمية عام 1963 عن دوره في الفيلم الجميل جدا “زنابق الحقل” “Lilies of the Field” ، واول ممثل اسود يحصل على دور رئيسي في فيلم اميركي. وبالمناسبة فقد انتظر الممثلون السود طويلا حتى تحصل الجذابة هال بيري على جائزة اوسكار افضل ممثلة لدور رئيسي في عام 2002 عن دورها في الفيلم الرائع “كرة الوحش” “Monster’s Ball”.

فيلم “أحزر من سيأتي الى العشاء??”، كنت شاهدته مرتين من قبل ، ولكني عدت الى مشاهدته امس، لانني وفي الأشهر الأخيرة وجدت نفسي في محاولة جادة للبحث في موضوع “الهويات”، فالفيلم يتناول قضية الزواج المختلط بين السود والبيض في اميركا، عندما كان السود يعانون تمييزا شديدا وكانت 17 ولاية اميركية تمنع هذا الزواج، كما هو ممنوع الان زواج المثليين جنسيا، الذي يحظى بجدل كبير في اميركا بعد سماح عدة ولايات بمثل هذا الزواج. واتحدث عن هذا الزواج بوصفه ايضا جزء من موضوع الهويات.

في الفيلم يقع الممثلان، الاسود جون وايد (بواتيه) والشقراء جوي (كاثرين هوغتون)، في غرام بعضهما بعضا، وتتطور العلاقة بينهما سريعا خلال عشرة ايام فقط ويقرران الزواج، وتقوم جوي بدعوة حبيبها الى منزلها ليتعرف على والديها (هيبرون وتريسي)، والدتها الفنانة المرهفة وبعد صدمة اللقاء الاولى، تبارك الزواج لانها ترى مدى سعادة ابنتها مع الدكتور وايد، اما الاب وهو ناشر صحيفة، في الفيلم، ومدافع عن حقوق الانسان فيقع تحت صدمة عنيفة، وتناقض حاد بين دفاعه عن حقوق الانسان وبين عدم تقبله لزواج ابنته من اسود، والفيلم هنا كان جميلا في تصوير تناقض الانسان عندما لا يدفع ثمن مبادئه او افكاره من جيبه الخاص، فالاب المدافع عن حقوق الانسان يرفض حب ابنته وزواجها من دكتور اسود حتى لو كان مشهورا جدا وعصاميا وذكيا، ولم تكن مشكلة الاب ان الطبيب الاسود اكبر ب 14 عاما من ابنته او لكونه ارملا ولديه ابنة فالمشكلة الحقيقة هي في لون بشرته فقط.

يتطور الفيلم، ليصل والدا الدكتور وايد بشكل غير متوقع بالنسبة لوالدي “جوي”، الى العشاء على مائدة اهل حبيبة ابنهم، جوي، وبتفاجأون ايضا بان الحبيبية والزوجة المستقبلية لابنهم شقراء، الام وبعد الصدمة توافق فورا وتتمنى لابنها السعادة فيما الاب يقف ضد هذا الزواج بشدة. الاطرف في الفيلم ان “الخادمة السوداء” لدى اهل جوي تكون من اكثر المعارضين لهذا الزواج وتعبر عن رفضها بالقول “صحيح انني مع حقوق السود ولكن علينا نحن السود ان نعرف حدودنا”، يعني على طريقة المثل الشعبي ، العين ما بتعلى ع الحاجب، وطبعا هذه نفسية انسانة تربت على القمع والاضطهاد فباتت مستلبة تماما لواقعها.

 ما علنيا، المهم ان الفيلم ، وعلى عادة اغلب افلام هوليود، ينتهي نهاية سعيدة، بعد موافقة والد جوي على زواج ابنته من وايد.

هويات قاتلة!!

وبالمناسبة، كانت قناة ام.بي.سي 2، تعرض في نفس الوقت ليلة امس، فيلم “العاصفة” “The Hurricane” ، للمثل الأسود الوسيم دينزل واشنطن، وهو فيلم حديث انتج عام 2001، ويتناول ايضا مسألة التمييز العنصري.

المهم، قلت انني مولع بقضية “الهويات”، وهذا الولع الذي أصابني ليس عبثا ولا صدفة، فخلال الاعوام الاخيرة، “انفجرت مشكلة الهويات في العالم”، كما يقول الروائي اللبناني الفرنسي امين معلوف، المغرم ايضا في هذه المسألة، والتي كتب فيها كتابه “الهويات القاتلة”، واغلب روايته وخاصة روايات “بدايات”، “سلالم الشرق”، “القرن الاول بعد بياتريس” وغيرها.

وهكذا خلال محاولتي لفهم مشكلة الهويات، ومشكلة هويتي تحديدا، ذهبت الى قراءة ومشاهدة كل ما يقع تحت يدي من كتب او افلام تتناول هذه المسألة، فقرات مثلا “الهويات القاتلة” واغلب أعمال معلوف، وكتاب “هذه ليست سيرة”، للبناني حازم صاغية، ورواية “اعترافات قناع”، للياباني يوكو مشيما، والرواية الطريق الى تل المطران للعراقي علي بدر، وكل أعمال الروائيات السعوديات الجدد، وسير حياة اغلب الكتاب كسيرة حياة الفيلسوف المصري عبد الرحمن بدوي واحاليا اقرأ رواية “بوذا الضواحي”، للبريطاني من أصل باكستاني حنيف قريشي و “الحب الممنوع” كتاب براين وويتكر عن المثليين جنسيا في الشرق الاوسط، وقد قرأت كثيرا أكثر مما اتذكر الان. كما شاهدت عدد كبير من الأفلام.

من انا؟؟؟

يقول المتصوف الشيخ ابو يزيد البسطامي عن نفسه:

“ومن ابو يزيد؟ ومن يعرف ابا يزيد؟ ابو يزيد يطلب ابا يزيد منذ اربعين سنة فما يجده”؟.

عندما تعيش اكثر من 45 عاما، في وطن يحاول بعض الناس ان يستنكر عليك انتمائك له، كما يجري حاليا في بلدنا الاردن لمجرد ان والديك او اجدادك لم يولدوا على هذه الارض قبل مليون عام مثلا.

وعندما يبادرك الجميع بالسؤال الشائع حاليا: من وين انت؟؟

وعندما يسألك اخر: شو دينك؟؟

او عندما يستكثر عليك ان تكون فردا حرا لا تنتمي لحزب او قطيع، او يستكثر عليك ان تحاول ان تجد طريقك بنفسك دون الخضوع للسائد والموروث.

عندما لا تستطيع ان تجد نفسك، كما البسطامي، في مجتمع لا يقبل الاختلاف باي شيء، فانت ”نكرة” محكوم عليه بالضياع، فانت لن تكون انسانا بالنسبة للبعض الا اذا كنت “اردنيا او فلسطينيا، عربيا ام غربيا،  مسلما ام مسيحيا او يهوديا، رجل ذكر او امراة انثى. او انت مع اميركا او ضدها او مع اسرائيل او ضدها، اما ان تكون ثوريا مقاوما او عميلا مستاجرا، طبيعي ام شاذ جنسيا، مؤمن ام كافر، ابيض ام اسود، عربي ام اجنبي…الى اخر قائمة التصنيفات التي لا تنتهي”.

ولكن ممنوع عليك في كل الاحوال ان تكون انسان، مجرد انسان فقط، ينتمي للانسانية، ويؤمن فقط بحق: الحياة والحرية كحقوق طبيعية فالانسان يولد حرا قبل ان تستعبدته المجتمعات والثقافات السائدة والمال. 

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba