لا اعرف من الذي أعطى للحذاء أو النعال اسم “الصندل”، على تسمية شجر الصندل برائحته العطرية المميزة، هل كان يدري ان طفلا ما، في بلد ما، سوف يحمل لهذا الاسم اسوأ الذكريات لا ضوع الطيوب…
عندما كنت في
الصف الخامس الابتدائي، في إحدى مدارس وكالة الغوث، وعدتني أمي أن تشتري لي “صندلا
بلاستيكيا بني اللون جديدا”، اذا ما حصلت على واحدة من المراتب الخمس الأولى في
الصف.
وقد فعلتها، وحصلت على الترتيب الرابع في صفي، فأصدرت أمي في لحظة حنان نادرة، أمرا إلى أبي المغلوب على أمره بان يأخذني معه الى سوق المخيم يوم الجمعة لاشتري الصندل وفاء لوعدها التي قطعت.
أخذني أبي من يدي إلى السوق في الجمعة التالية، لنبدأ رحلة شراء الصندل الموعود، وقد رفضت ان اشتريه من البسطات الكثيرة المنتشرة في السوق، والححت على شرائه من احد محال شارع النادي، وكان لي ذلك، فهو يوم نادر في حياتي، أتدلل فيه بسبب علاماتي المرتفعة.
ولاني لم اشتر يوما، ولم البس يوما صندلا او حذاء أو بنطالا أو قميصا جديدا، فكل ما كنت البسه هو اما من البالة او من الملابس التي ضاقت على اخوي الكبيرين وتم تكيفها على ماكنة “السنجر”، التي تملكها شقيقتي لتتناسب وحجمي.
أما الأحذية فليس مهما ان تكون واسعة فقد كنا نحشو مقدمها بورق او بخرقة قماش حتى تحشر فيها أقدامنا العارية. المهم، فقد أخذت أتخير وأتردد وأقيس كما لو كان هناك عشرات الخيارات، فهما خياران لا ثالث لها اما صندلا اسود اللون وإما بنيا.
أخيرا، استقر رأي على شراء صندلا بنيا، اعتقادا مني ان هذا اللون يناسب الكاكي الذي كان اللون الطاغي على ملابسنا تلك الأيام. وقد اشتريت الصندل نمرة اوسع كي يخدم اطول فترة، خاصة انه من البلاستيك القابل للقطع اذا كان ضيقا وحاولت شد ابزيمه.
اشتريت الصندل وطرت من فوري الى البيت تاركا ابي للصلاة والتسوق، ولما وصلت البيت غسلت رجلي على عجل لتتناسب ولمعة الصندل، ولبسته وخرجت به الى الشارع، اتشاوف به على اترابي، مستعرضا ما املك ولا يملكون.
وما أن لبثت فترة حتى اقترح أصدقائي ان نذهب الى الكسارات (مقالع حجر) القريبة من المخيم لنعلب كرة القدم، واخترنا كسارة توقف العمل بها، ووضعنا علامات بالحجارة كمرمى وتوزعنا فريقين للعب، ولما كان الجو لا يزال في نهاية أيار وكانت السماء لا تزال تمطر بين الفترة والاخرى، فقد تجمعت الى جانب الأرض التي اخترناها للعبنا برك مياه آسنة، أرضيتها طينية موحلة بفعل تحطيم حجارة الكسارة كرمل للبناء.
وفي لحطة نشوة ضربت الكرة بقوة على أمل تسجيل هدف في مرمى الخصم، إلا أنها انحرفت ووقعت في البركة الآسنة، فذهبت راكضا لأستعيدها، وما ان خطوت داخل بركة الماء حتى غاصت قدمي في الطين، وعندما حاولت إخراج قدمي علقت فردة الصندل الجديد والواسع في الطين، وحاولت عبثا استعادت الفردة المفقودة ولكن دون جدوى.
مرعوبا من العقاب الذي سيواجهني في حال عدت إلى البيت بفردة صندل واحدة، ذهبت ابحث عن أي إنسان يقرضني أربعة عشر قرشا ثمن صندل جديد مماثل اشتريه والبسه وأتظاهر بان شيئا لم يحدث، ولكن من كان يملك من اترابي في ذلك الزمن هذه القروش الكثيرة.
لم أجد أمامي، سوى ان احصل على هذه القروش بعرقي، فذهبت إلى المناجر القريبة وبدأت عملية بحث وتجميع مضنية للمسامير، التي تترك في أرضيات المناجر بعد تخليع صناديق الخضار الخشبية، والتي كنا نجمعها هي ومواد بلاستيكية وزجاج محطم ونبيعها لمحل الخردة في السوق.
غير أن الشمس وقد بدأت بالغروب وانا لم اجمع ما يملأ تنكة سمنة صغيرة من “الغزالين”، فقد شعرت بعظم المصيبة التي أوقعت نفسي فيها، فإذا كنت بمصيبة فقدان فردة الصندل فقد أمسيت بثلاث مصائب، الصندل والتأخر عن المنزل واتساخ وجهي ويدي وملابسي.
كان من عادتنا صغارا، عندما نريد أن نتجنب العقاب ان نتوسط شفيعا لنا لدى أهلنا، وقد ذهبت إلى منزل جارنا “أبو يوسف”، وكان رجلا حنونا ومهذبا ورجوته أن يشفع لي، وقد قبل، ولكن شفاعته لم ترتج عند أمي، التي أحرها فقدان الصندل وتوسيخ ملابسي. فكسرت بخاطر شفيعي، وربطتني إلى شجرة توت كانت تتوسط المنزل وأوسعتني ضربا بحزام أبي، ربما لم يذقه سجين سياسي في سجن ديكتاتورية متجبرة.
بقيت هناك مربوطا إلى جذع شجرة التوت أئن من وجعي ومن جوعي دون ان يستطيع احد فك قيدي أو تقديم حتى لو شربة ماء أو كسرة خبز، حتى انتصف الليل، فرق قلبي أمي، وطلبت من أبي أن يفك قيدي، كما لو كان خفية عنها، ولكني بقيت محروما من الطعام لليوم التالي.
وهكذا ذهب أول نعال جديد لي، تاركا في نفسي ذكرى حزينة، لا ضوع طيب شجر الصندل.
” تعالوا إلي أيها المتعبون وأنا أريحكم. احملوا نيري عليكم وتعلّموا مني لأني وديعٌ ومتواضع القلب لأن نيري هينٌ وحملي خفيف”، السيد المسيح عليه السلام…
قد تبدو بعض اللحظات قاسية مترعة بالحزن ملفوفة بوشاح القهر ولكنها ماان تبتعد زمنيا حتى تتحول الى ذكريات نستغلها وقت الحاجة
فاذا ما تعرضنا الى موقف محزن ثارت فينا عواطف الحزن وتحولت الذكريات الى شيئ يدفعنا الى ذرف الدموع ولكن تخيل انك في موقف مختلف تتبادل فيه النكات مع الاصدقاء الا تظن ان ذكراك شيئ مثير للضحك ومصدر للفكاهة والتندر
سمو الاميرة | 15/01/2008, 23:28
لا حول ولا قوة الا بالله ابو عمر انا احسدك على هذه اللحظات انها جميلة رغم قسوتها.
محمد العرسان | 15/01/2008, 23:26 [ الرد ]