مدونة مستعجلة عن أطفال بالسواد !!
22 تشرين ثاني, 2007

عدنان، طفل لا يخلو من وسامة، فهو ابيض، وكل ابيض او بيضاء، بالنسبة للهامش القادم منه كركر الميكانيكي، جميل ووسيم…

 

تخطيط اولي عن المحرقة…

عام 1994 قررت ان اهجر كل عمل يتعلق بالفكر والسياسة والكتابة والصحف، وهكذا استقلت من الحزب الذي كنت فيه وبعت بثمن بخس مئات الكتب التي كنت اشتريتها غاليا.

ذهبت اسعى في رزق في اعمال يدوية، فبرقبتي عائلة وزوجة(+) نصبت مناحة “عن عدم مسؤوليتي ولا مبالاتي تجاه العائلة، بما دفعني الى استقالة من راتب مضمون كان يأتيني اخر كل شهر لاذهب في رحلة مجهولة قد تودي بقوت العائلة، ان لم يكن حياتها، وتجعلها تتسول لقمة الخبز”.

لم تكن زوجتي تدرك أو هي لا تريد ان تدرك أنني كنت امام خيارين، اما ان افقد راتبي واما ان افقد عقلي.

وهكذا وجدت نفسي بين ليلة وضحاها، بدون أي عمل او دخل او مهنة حقيقية تساعدني على الاستمرار في العيش، وبشهادة جامعية بعلم الاجتماع لا تغني ولا تسمن من جوع.

ولأني كنت وصلت حد “القرف”، من كل ما يتعلق بالفكر والسياسة، فقد قررت ان ابدأ مشروعا ليس له أي علاقة بهذه الآفة،  فذهبت الى عند اخي “الثري” صاحب المحالات الكبيرة في تجارة دهانات السيارات وعرضت معه الوضع علّه، وهو ابن السوق، يرشدني الى عمل انتفع به واسرتي.

وقد اشار علي اخي ان افتح “فرنا حراريا” لدهان السيارات، وكانت “نظريته” بسيطة، فهذا الفرن هو عبارة عن جهاز كبيرة يتم تأجيره لورش دهان السيارات بالساعة، وهو فوق ذلك “اتوماتيك”، لا يحتاج أي خبرة مسبقة سوى استخدام لوحة التحكم التي ليس عليها سوى اربعة أزرار فقط.

ساحدثكم عن هذا “الفرن الحراري”، الذي هو في الواقع “محرقة”، أين منه محرقة “اوشفيتز” النازية، في مدونة اخرى.

عملت في هذه “المحرقة”، حولين كاملين كانا أسوأ كابوس عشته. يخطر في بالي احيانا ان أزوره أو أتمشى امامه، ليس لتذكر ايامه القاسية انما لأتذكر أي احمق كنت، وربما لم أزل.

عدنان…

خلال عملي في “المحرقة” التي تقع بين مخيم الوحدات والقويسمة، عايشت دون ان اتعايش مع اكثر خلق الله هامشية.

كركر الميكانيكي صاحب المحل المقابل لمحرقتي، كان اسمه جميل، ولكن كعادة اهل المنطقة ابناء الهامش، فقد اغدقوا عليه لقبا، ولا ادري ما هو سبب تسميته “كركر”. فالاخرون لديهم القابا من مثل “جعمقة”، وهي قطعة في محرك السيارة عند العجلات، واخر لقب بـ”كرنك”، وثالث بـ”بككس”، وهكذا.

وهؤلاء اكسبتهم بيئتهم لغتها الخاصة بكل شيء، فاذا اراد احدهم التغزل بامرأة جميلة وصفها بسيارة المرسيدس “الغواصة” او “الشبح” او صاحبة “شاصي طويل” اذا كانت هيفاء القامة. اما اذا كان غير راض عن تفكير زوجته، قال عنها “ماتورها اعوج مثل ماتور المرسيدس اللف”، وهكذا.

وعدنان كان “سيلندر”، والسيلندر بعرف هؤلاء هو الشخص “المفعول به”، او “المسطوحة ليمونته”، او هو “آلون” او “صباباته فالتة”، والسيلندر قطعة الموتور حيث يحترق الوقود، ويدخل ويطلع “الكرنك”، لتحريك السيارة. اما على قول اصحاب العربية الفصحى فيصبح عدنان “الغلام الامرد الملاط به”.

ولكن عدنان هذا، كان طفلا لم يتعد الثالثة عشرة من العمر، قصير، ولكنه اقرب الى السمنة منه الى النحافة، وهذا المطلوب في عالم ذكور الهوامش الشاذين. بشرته البيضاء اتشحت بسواد عوادم السيارات وشحومها وزيتها، وملابسه لا تقل اسودادا عن ما اكتست به جلدته.

يمشي عدنان بهيئته هذه، حاملا صينية المونيوم كلح لونها وتبعجت وتطعجت حوافها، عليها كاسات شاي لا تقل اتساخا عن ملابسه، يحملها لمعلمه كركر وزبائنه.

يسير عدنان كسيرا وحذرا متلفتا حول نفسه مخافة، ان يندلق الشاي فيتسبب لنفسه بعلقة ساخنة من معلمه، او ان يزجره الميكانيكيون الآخرون اذا ما اقترب من امام محالهم.

 كثيرا ما يتطاول بعضهم فيصفعه او يقرصه على مؤخرته، ويتغامز عليه الاطفال الآخرون صبيان المعلمين “النظيفين”، وفي احيان كثيرة يصنعون حركات واشارات متعارف عليها في الوسط هذا تدلل على انهم يعرفون ان عدنان هو “سيلندر او آلون”، وان كركر “تبع اولاد”.

ما كان لعدنان بواكي ولا أب حامي، فهو من اسرة فقيرة مات عنها الاب تاركا للام الشابة اربعة اطفال، كان هو اكبرهم، وكان عليه هجر المدرسة للعمل.

وكنت انا عاجزا ولم ازل، مثلنا جميعا، واغلبنا يتسلى بمعاناة الناس وشقائهم، وبعضنا لا يتوانى عن تفريغ ساديته بالضعيف، تحقيرا وهمزا ولمزا وضربا وشتمنا..الخ.

بشير…

اما بشير هذا، فلم يكن فقيرا، كان في السابعة من العمر، وهو ابنا لصاحب محل بيع قطع غيار مستعملة للسيارات الالمانية الصنع، وقد ارتأى والده، ان الحياة مدرسة، وان الشهادة لا تطعم خبزا، والوالد من اسرة كبيرة تخصصت في المنطقة في تجارة القطع المستعملة، تورثها لأبنائها “كابرا عن كابر”.

بشير، كان ضئيلا ولكنه كان شرسا، سليط اللسان “زغرتي”. يأتي الى المحل بالمواصلات العامة، قبل ان يصل والده بسيارة “المرسيدس الـ200 الكلاسيكية”.

 

 يفتح بشير في الثامنة صباحا اقفال المحل الثقيلة، بكابد في رفع باب المحل السحاب لعدة سنتميرات ثم ينزلق الى الداخل حيث يجلب قيب حديدي طويل يرفع به الباب حتى النهاية، ويبدأ بعدها بكنس الارضية الاسمنتية المتكسرة وتنظيف وترتيب القطع الكبيرة خارج المحل، يحمل بعضها الخفيف مثل “الجناح او الجنطات”، ويجر بعضها جرا.

ياتي بشير في الثامنة صباحا كما غادر امس في التاسعة مساء، ملابسه المتشحة بسواد العوادم والشحوم والزيوت هي نفسها، شعره المتلبد بفعل الزيوت هو نفسه ملتصقا بجهة واحدة هي الجهة التي بقي نائما عليها بعد يومه الشاق الطويل في العمل.

يأتي والد بشير على التاسعة صباحا في سيارته الحمراء “حمّار المارلبورو”، وقد تهندم كما لو كان ذاهبا الى حفل عرس في صالة “النجوم الخمس”، يشعل سيجارة المارلبورو قبل ان ينزل من السيارة، يغلق الباب بحركة استعراضية، ويصرخ في بشير “وين كاسة الشاي يا ابن الكلب”.

يغادر والد بشير المحل على السابعة والنصف عندما “تخف الرجل”، ويترك بشير لوحده “لكي يتعلم ان يصبح رجلا”.

عن علي واحمد…

في الشارع المحاذي غربا، لبنايات امانة عمان المتطاولة: الجامع المبني من حجر صحرواي اللون على الطراز الاندلسي، المتحف التاريخي على النمط العربي والمركز الثقافي المشيد كدار اوبرا عصرية في فينيا، ومبنى البيروقراطية “المودرن” بواجهة الزجاج والستينلس ستيل والألمونيوم.

في هذا الشارع، تنتشر محال بيع فحم الشواء والارجلية لسكان ومطاعم ابناء الشعب الطيب في المدينة الحديثة على حنوات التلال، محال قديمة قدم وسط المدينة، حال لون جدرانها وابوابها والارصفة امامها الى السواد القاتم بفعل غبار الفحم المتطاير.

على ابواب هذه المحال تقف شاحنات صغيرة، قادمة مما تبقى من ارياف فقيرة، محملة باكياس مصنوعة من الياف بلاستيكية تآكلت من كثرة الاستعمال وبرز ما في احشائها من فحم وتطاير غباره على وجه وجسد وملابس علي ابن الرابعة عشرة واحمد الذي يقاربه عمرا، وهم يفرغونها في جوف المحل الاسود.

يجلس علي واحمد بعد افراغ حمولة الشاحنة على الأكياس السوداء، وبملابسهم المسودة، وعيونهم المغلقة على اتساعها، وانفاسهم المتحشرجة والمتقطعة من كد التعب وغبار الفحم، يأكلون بأيد لم تغسل من صحن فول واحد كان احمد اشتراه من الفوال القريب قبل ان تصل الشاحنة ويتاجل الأكل للفروغ من تنزيل حمولة فحم الشواء واراجيل المقاهي “المودرن والتقليد”، في المدينة الحديثة والقديمة على حنوات التلال.

ليس بعيدا عن “المفاحم” هذه، وعن احمد وعلي، يقيم أبناء الشعب الطيب في الساحات العامة والمركز الثقافي عروضا لرسومات الاطفال البريئة بخطوطها الملونة بالوان قوس قزح، وافلاما عن “الفقراء الذين يذهبون الى الجنة” ويوقع المثقفون كتبا اصدروها عن المهمشين والغلابة والمساكين وابناء السبيل.

* سألت ما اذا ما اكتبه في مدوناتي حقيقي ام محض تخيلات. ما كتبته هنا وفي كل مدونة اخرى هو اقل بكثير مما أشاهده وشاهدته وعشته، وما تسمح به جرأتي وتسامح القارئ معي.
 

 

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba