شي رومانسي...!
30 كانون ثاني, 2008

ثلج ابيض يتساقط على عمّان بغزارة، يغطي برداء ابيض كل رماد المدينة، يلفها بألفة وخير وحب..!

حضرت من منزلي إلى مكان عملي مشيا على الإقدام، مستمتعا بالرداء الأبيض الذي كسا الشجر والطرقات والأبنية والسيارات، كنت أسير مبتهجا رغم حبات الثلج الغزيرة التي كانت تلسع وجهي...

عمّان هادئة تماما والأبيض غطى كل رماد الطرقات التي لا تزال مكسوة بالثلج لقلة عدد المارة والسيارات...

التقطت مجموعة صور لكنني فشلت في محاولة تحميلها على الجهاز لخلل فني ما...

هذه المرة اخترت أن آتي إلى المكتب سيرا على الأقدام، رغم البرد ولسعات الثلج المتساقط على شكل ذرات وليس ندفا...

لكن عندما كنت صغيرا وكنا نعيش في مخيم الوحدات لم يكن السير في الثلج متعة أبدا، كنا نحمل تنكات السمنة الفارغة ونذهب لتعبئتها بمادة الكاز من إحدى محطتين للوقود، واحده على المدخل الشمالي للمخيم جنب قيادة البادية سابقا والأخرى على الطرف الجنوبي وكنا نسميها "كازية جردانة"، كنا أطفالا ونساء ورجالا نصطف في طابور طويل لتعبئة تنكات السمنة بالسائل الذي كان سيدفئ عظامنا المصطكة من البرد بفعل برودة الطقس ورثاثة الثياب التي نرتديها...

اليوم، وقد أصبحنا "خيولا تسحب العربات"، فالكاز لم اعد اعرفه أما الغاز والسولار فتكفي مكالمة هاتفية حتى تحط اسطوانة غاز داخل مدفأتك او تمتلئ خزاناتك بالسولار...

اعرف شعور كل طفل يحمل اليوم تنكة كاز وكل فقير لا يجد ما يدفئ نفسه وأطفاله به...

 اعرف جيدا معنى أن لا يكون الثلج رومانسيا، ومعنى ان لا يستمتع الفقراء بأغنية فيروز التي لم تبقى إذاعة واحده لم تبثها صباحا "ثلج ثلج عم بتشتي الدنيا"...

 اعرف تماما ما هو شعر الأب عندما ينظر إلى السماء، كما كان يفعل أبي، منتظرا انقشاع الغيم، فسقف البيت لم يعد يحتمل المزيد، واليد المتجمدة لم يعد بوسعها حمل المجرفة لإزالة الثلج المتراكم فوق السطح المتداعي وخرق القماش لم تعد قادرة على تغطية الشقوق ومنع التسرب...

عندما كنا أطفالا، وكانت "وحدة" وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، أي الغرفة المربعة التي لا تزيد مساحتها على ألاثني عشر مترا، تستوعبنا جميعا في أيام البرد، ننام فيها ونأكل فيها ونستحم فيها ونستقبل الضيوف فيها، كنا ننتظر انتهاء الشتاء بفارغ الصبر...

عندما أصبحنا كبارا في الثانوية وعلمونا في كتاب العربي أنشودة المطر لبدر شاكر السياب، كنت اضحك من كل قلبي على هذا الرجل المسكين الذي لا يعرف معنى المطر ومعنى البرد، معنى أن تبقى أشهرا وأنت تصطك حتى تكاد أن تتجمد، وأنت تضع قدميك المتجمدتين بالقرب من بابور الكاز بعد رحلة العودة من الكازية...

كيف يمكن للثلج ان يكون رومانسيا لأسرة فقيرة تمتلك غرفة او خيمة ينام أفرادها العشرة جنبا الى جانبا على "جنبيات" أو فرشات خفيفة مرصوصة إلى بعضها البعض ويتدثرون بأغطية متآكلة...

كيف يمكن ان يكون الثلج رومانسيا، عندما تحشر اسر في غرفة أو خيمة، تتجمهر حول بابور كاز او صوبة حقيرة، تعج بها روائح الكاز والبول والنوم والطبخ وسجائر الهيشة... هل هذه هي ألفة وخير وحب متل التلج، بحسب اغنية فيروز...!

كيف تخيل الشعراء هذا الأبيض رومانسيا عندما تكاد تتجمد من البرد في البيت والمدرسة والطريق والكازية، وتجبر في كل لحظة على الصعود إلى السطح لإزالة التراكمات كي لا يتداعى المنزل على رؤوس ساكنيه...

أسئلة بقيت تعذبني ولا تزال: لماذا يكون العالم رومانسيا للبعض ووحشيا للبعض الآخر؟ من الذي اختار أن يقسم الناس هكذا؟ ولماذا؟ وعلي أي أساس؟.

تعليقات

Comment Icon

كيف تخيل الشعراء هذا الأبيض رومانسيا عندما تكاد تتجمد من البرد في البيت والمدرسة والطريق والكازية،
لماذا يكون العالم رومانسيا للبعض ووحشيا للبعض الآخر؟
اسال نفسي هذا السؤال دائما متحيرة فلا اجد له اجابة ....
اشكرك على مقالاتك الرائعة التي تتحفنا بها كل يوم...

افنان | 30/01/2008, 12:21 [ الرد ]

Comment Icon

يا زلمه ذكرتني باءيام التعاسه اللي الله لا يعيدها لما كنا نروح نشتري بواري الصوبه انا كنت مغرم باءخر بوري الي كان شكله على حرف اتش بلاءنجليزي وكيف كان يطلع منه الدخان الاءبيض ومرات الاءسود حسب نوع الوقود المستعمل متذكر ايام الحذوه اللي كنا نحطها على كعب الكندره وخصوصا اذا كناحاطين نص نعل وكعبيات جدد كانت ايام تعاسه فعليه

Hatem Abunimeh | 30/01/2008, 17:07 [ الرد ]

Comment Icon

ان يكون لديك بابور كاز او صوبة حقيرة، فهذا بحد ذاتة انتصار عظيم, وان تملك علبة سمنة فارغة فهذا هو الاكتفاء (لانه كان بها سمنة استعملت), وان تنام بغرفة أو خيمة، دون ايجار فهذا هو الغنى , الرومانسية فى الثلج يا عزيزي محمد عمر قادمة من انه لا ياتي دايما, ولذالك قيل ( مرة أخرى على شباكنا تبكي ولا شيء سوى الريح,وحبات من الثلج.. على القلب,وحزن مثل أسواق العراق)....انا مثقل بالفقر واجد الثلج رومانسيا...

مأموت المصري | 31/01/2008, 08:29 [ الرد ]

Comment Icon

تحية يا صديقي مامون-
تنكة السمنة ما كنا نحنا الي نستعملها، نحنا كنا نشتري السمنة بالنص اوقية من دكانة ابو سامي، بعيدن شرطك سمنة غزالين لانه ما كان في لسه نوعية تانية وهذا قبل اختراع زيت عافية، انشالله صحتين وعافية..
اما بابور الكاز فهو نعمة بس لو كان راسه اخرس ما بسبب وجع راس...
على اي حال، دائما هناك جانب رومانسي للاشياء حتى للفقر، لانه لا تنسى انه الرومانسية اختراع او هي ظهرت في القرون الوسطى على يد كبار الاقطاع الي ما كان عندهم شغل سوى انهم يتاملوا من شبابيك نوافذ قصورهم العبيد وهم يعلمون في مزارعهم او جنانهم الخضراء، وبعدين صارت الرومانسية ثورية على يد الماركسيين العبيطين زي الثلج ياتي من النافذة لليساري حنا مينا، مع انه الثلج ممكن يغطي ملايين المشاكل على طريقة اورهان باموك في ثلج قارص..
ودمت

محمد عمر | 31/01/2008, 09:32 [ الرد ]

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba