فقع البلون...!
24 شباط, 2009
 ما أطيب العيش لو أن الفتى حجر، عروة بن الورد 
لون العزلة...!
 
كان "عبد المجنون" عندما ينتبذ مكانه ويستقر فيه يفتح "نصيّة الكونياك المارتن" ويكرعها جرعة واحدة.
ينتظر قليلا ثم يرفع رأسه عاليا نحو السماء، يرفع ذقنه بيده ليبقي رقبته مشدودة كالوتر.
يخرج "عبد المجنون" من تحت لسانه شفرة حادة النصل ويبدأ بتجريح رقبته من الوريد إلى الورد بخطوط أفقية دقيقة. كلما انتهى من خط انحدر ليّحز خطا آخر.
عندما ينتهي "عبد المجنون" من تحزيز رقبته ويبدأ الدم ينز من الخطوط الافقية يستسلم للنوم.
كان "عبد المجنون" يقوم بطقسه المعتاد هذا بدون الاستعانة بشيء، ولا حتى بمرآة، يؤدي طقسه وحيدا، منعزلا ككل حياته.
كنا نجلس بعيدا، أطفالا مذهولين نراقب فعلة "عبد المجنون" ولا نعلم سر هذا الفعل، الذي يبدو ليّ الآن كطقس وثني إفريقي في عمادة الأطفال حين يصلون سن المحارب.
كان أهل "عبد المجنون" يأتون ويأخذونه الي البيت.
في اليوم التالي كنا نشاهده مضمدا جراح رقبته، لكن ما يلبث يعود لطقسه من جديد.

بزبز...!

كان "بزبز" سلط على "تنكات الزبالة" التي كان يستخدمها أهل المخيم كحاويات لنفايات اليوم. يتركونها أمام البيوت حتى يأتي عمال النظافة ويفرغونها.
كان، "بزبز" يفرغ محتويات التنكة أمام البيوت، يحملها بيديه ويهرب بها بعيدا عن صيّاح المرأة صاحبة التنكة.
يقف "بزبز" وسط السوق بقامته القصيرة وكرشه المتدلي وريالته النازلة من فمه ويبدأ بالتأرجح إلى الإمام والخلف بقوة . يمسك التنكة بيديه ويبدأ بتطعيجها لا يتركها حتى يتعب تماما.
لم أكن اعرف اسمه، ولا لماذا كان يسمى "بزبز"، ولم أكن أعرف له أهل، ولا أين ينام.
لكنا، نحن الأطفال، كنا نلاحقه في السوق والشوارع ونصرخ به "بزبز فقع البلون" وكان هو يهيج ويغضب ويبدأ بملاحقتنا وشتمنا.
لم نكن نعلم لماذا كانت عبارة "فقع البلون" تثير هياجه، كنا نريد التسلية وحسب.
لكن "بزبز" كان أيضا تسلية الزعران. كانوا يأخذونه إلى الجبل او إلى أماكن بعيدة وخالية. يسكرون ويعربدون وعندما ينتهون من سكرهم يلوطون به.
وكنا عندما نرى هؤلاء ممسكين بـ"بزبز" نقول بيننا: شكلو الشباب ساحبين بزبز يسطحو ليمونته.
أكثر ما كان يخيفني، أن يسطح احدهم ليمونتي...
أكثر ما يخيفني الآن، ان أصير مثلهما، عبد و بزبز، مجنونا...
 ربما الأمر لا يحتاج إلى أكثر من "حمامة" أو فقعة بلون...!

تعليقات

Comment Icon

شطبت قبل قليل تعليق يروج لاحد المواقع.
اتمنى ان لا يستخدم احد مدونتي للترويج لاي شيء حتى لو كان لنشر الفكر الخنفشاري..
اشكركم

محمد عمر | 24/02/2009, 18:38 [ الرد ]

Comment Icon

يا زلمة مش عارف كيف بتزبط معك تنشر هالحكي جد بتخلي الواحد ما يفكر الا بحارته ويستعيد ذكرياته كان عنا في جبل الجوفة واحد مجنون اسمو عينو يا زلمة واحنا صغار كان عامللنا فيلم رعب .عالعموم كويس انو في حد يكتب هسا عن المخيمات والحواري تبعت عمان لاني فقعت من الناس اللي بتحكي عن الفقر والبطالة وولادهم الواحد معو سيارة وخلوي و...يمكن ما راح تنشرها شكرا ع كل حال

عبدالرحمن درويش | 24/02/2009, 23:52 [ الرد ]

Comment Icon

اشكرك
في العادة لا اشطب تعليقات ولا اضع رقابة عليها. التعليقات تخرج تلقائيا. اشطب فقط عندما يكون هناك تجريح بالمعلقين فقط او ترويج دعائي. لذلك فلك ان تعلق كما تريد وترغب بدون اي رقابة.
اشكرك

محمد عمر | 25/02/2009, 12:05 [ الرد ]

Comment Icon

يا سيدي بما ان مدونتك تتحدث عن رموز و شخوص الحارات الاردنية ، فقد ذكرتني بشاب في حارتنا كان اسمه " برقوع" و يبدو ان التمسية لها ارتباط ببشرته التي يتراوح لونها بين الاسمر و الابيض المرضي ، لا اعلم ان كان يعاني البرص او انه قد تعرض لحادث معين بماء مغلي او " مية نار " على ان " برقوع " كان مفزعا بحق ليس فقط بسبب شكله ، بل لانه كان " ازعر " " شريب" كما كان يوصف ، و ضريب شفرات " او " لسيع" و كان يقال بأنه " غدار" فهو يهوى " اللسع" على حين غرة و من الخلف ان استطاع ، كان يقال بان كبار الزعران او " العويدة " يستخدمون " برقوع " للنيل من بعضهم و لتفية حساباتهم بين بعضهم البعض ، فيقوم مثلا ، احد " العويدة " بارسال برقوع الى لضرب احدهم " بوجهو " و يتعهد الاول طبعا بالدفاع عنه في حال وقوعه في اي مأزق .. اذكر اسماء و رموز في منطقتنا كان لها حضور لافت خفت الان تماما ، لا ادري ان كان للامر علاقة بالعولمة :-) اذكر " ابو سلطان" الذي ارتبطه به حكاية انه شج رأس احدهم بساطور اثناء مشاجرةو سجن على اثرها 10 سنوات ثم خرج ليصبح حديثنا ، و قد شهدته مرة يأخذ أتاوا " خاوة " من احد سائقي الباصات في المنطقة فدهشت للمنظر و لا ازال .... و عيسى "الضبع" و لا اضن ان الضبع اسم عائلته بقدر ما اتوقع ان اللقب ذو صلة بسحنته التي تسبه الضبع فعلا ..

عماد رواشدة | 25/02/2009, 08:09 [ الرد ]

Comment Icon

اشكرك عماد، دائما تضيق ما عو شيق ومفيد الى مدونتي.

محمد عمر | 25/02/2009, 12:06 [ الرد ]

Comment Icon

والله رجعتنا لأيام الحارات يا ابو عمر ..
بكل حارة تقريبا كان في عبد المجنون وكان اله طقوسة اليومية .

خالد السعود | 25/02/2009, 10:56 [ الرد ]

Comment Icon

عم خالد صار بدها قعدة، ولا شو رأيك؟

محمد عمر | 25/02/2009, 12:07 [ الرد ]

Comment Icon

فعلا لكل حارة مسكينها(افضل استخدام هذه الكلمة بدلا من مجنون) على الأقل ينطبق ذلك على مسكين حارتنا الذي كان ضخم البنية وخطوته واسعة لدرجة انه كان قادر على قطع مسافات بزمن قياسي. لن استطيع أن انسى حجم القذارة التي كانت متراكمة تحت أظافره والملفت بأنه كان مدمنا للشاي ولقد كانت عائلتي صباح كل يوم تحضر له علبة خاصة من الشاي ويشربها مهما كانت باردة او ساخنة جدا. في جلساتنا العائلية تنذكره دائما والملفت في الأمر اسمه.
فلقد كان كنيته يود نعم يود وليومنا هذا لا اعرف اسمه الحقيقي. كان يهوى اشعال النيران في المرتفعات الا انه لم يكن ليؤذي ذبابة. مسكين بمعنى الكلمة لوكان هنالك وعي اجتماعي ونفسي لاختلف الوضع او الحال حينها. اسأل نفس ماذا كان مصيره؟
شكرا لمدونتك فهي ذات محتوى يمس وجدان الكثيرين ومنهم انا.
شكرا جزيلا.

غزالة | 25/02/2009, 14:57 [ الرد ]

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba