"أختار يومًا غائمًا لأمرّ بالبئر القديمة. ربّما امتلأت سماءً. ربّما فاضت عن المعنى وعن أمثولة الراعي. سأشرب حفنةً من مائها. وأقول للموتى حواليها: سلامًا، أيّها الباقون حول البئر في ماء الفراشة!..."، محمود درويش...
من الرخام واليه /3
كنت في السادسة من عمري، منتصف عقد الستينيات، عندما حضر زوج شقيقتي "منيرة" بسيارته "الدودج" الأميركية القديمة ذات الأجنحة، التي كان يعمل عليها سائقا على خط "عمّان/الكويت"، قبل أن يغترب وعائلته ويقيم في "الكويت" لسنوات طويلة أنهاها الغزو العراقي لهذا البلد عام 1990.
كانت شقيقتي "منيرة" تقيم في "مخيم عقبة جبر" أو "مخيم عين السلطان" بـ"أريحا"، وكانت قررت أن تختن ابنيها "خالد" البكر و "فراس" الذي يليه، وأرادت أن تتزامن حفلة الختان مع "موسم النبي موسى".
كان الفلسطينيون يواظبون على إحياء "موسم النبي موسى" كل عام قبل الاحتلال، وقد منعتهم إسرائيل عنه، لان النبي موسى لها ولقومها!!، حتى عادوا للاحتفاء به قبل عامين.
والموسم يقام بالقرب من "أريحا"، في قلعة بناها "صلاح الدين الأيوبي" ليس لها علاقة بقبر "النبي موسى" ، الذي هو بحسب "التوراة" في "جبل نيبو"، ولكن لا يعرف له قبرا في الواقع...
تقول الرواية التاريخية إن صلاح الدين مر برعاة من البدو متجمعين حول بئر على جبل أجرد، فسأل عنه، فأجابوه بأنه:" بئر كليم الله موسى"، فأمر الأيوبي ببناء مقام لنبي موسى، عبارة عن مسجد صغير، وقد أتم "الظاهر بيبرس" بناء المسجد والأروقة عام 1256، على ما تقول كتب التاريخ.
اندحشنا أفراد العائلة في سيارة "الدودج" ذات الأجنحة، التي كنا صغارا نتعربش على أجنحتها الخلفية كلما مرت واحدة مماثلة من شوارعنا. وكان السائق إذ يلحظ احدنا من مرآة السيارة متعربشا على الجناح الخلفي يزيد السرعة كثيرا ثم يدوس الفرامل فجأة فنسقط متدحرجين خلف السيارة.
حملتنا السيارة في صباح ذاك اليوم الصيفي الحار إلى "أريحا" مرورا بطريق "السلط" التي لم تعد تستخدم كثيرا في الذهاب إلى الجسر الذي كان خشبيا بعد أن افتتحت "طريق السلام".
تهادت السيارة ببطء على "الجسر الخشبي" الذي كانت عوارضه تطقطق تحت عجلات السيارات والشاحنات، ولا اذكر إن كان هناك نقطة عبور حدودية، أو شرطة تتفقد الهويات، واغلب الظن انه لم يكن على الجسر هكذا نقطة.
كانت شمس النهار قد بدأت ترتفع وتكاد تتوسط السماء عندما وصلنا "أريحا"، ووجدنا شقيقتي وأبنائها و "المطهر" في انتظارنا لإكمال الرحلة نحو "بئر كليم الله".
قطعنا في السيارة نحو بئر موسى واد غير ذي زرع لا اذكر اسمه وان كنت اعتقد انه "وادي القلط"، وصعدنا نحو القلعة التي كانت تقف على قمة الجرد.
كانت البئر العميقة تتوسط القلعة التي بنيت على غرار القلاع الأيوبية الاخرى، كانت ماؤها غائرة فلم أر صورتي في البئر القديمة، لكن الناس كانت تقترب منها وتتبرك بها، أو هكذا فعلت أمي عندما ألقت بدلو الماء في عمق البئر وأخرجت من مائها ما يكفي لمسح جبيني وجبين بقية أشقائي وشقيقاتي وأبناء شقيقتي، وناولتنا كقس في كنيسة الدلو "الكاوتشك" لنرتشف حفنة من ماء البئر القديمة كانت كافية لتفيض عن معناها.
تعمدت بماء البئر القديمة، وناولتني أمي قطعة من "حلاوة النبي موسى"، التي كانت تباع أمام بوابات القلعة. كانت حلاوة قاسية يقتطعها الباعة بالشاكوش والأزميل، لكنها كانت الجزء المكمل لطقس المناولة في رحاب "بئر كليم الله"، موسى عليه السلام، ومحرر " القدس" ، صلاح الدين الأيوبي، وصاحب "السيرة الظاهرية"، الظاهر بيبرس.
كان العالم قديما، لكل شيء اسما...!
"عدة الدراويش"، أعلامهم الخضراء والسوداء والبيضاء والصفراء مرفوعة عليا على سواري شدت إلى أحزمتهم الجلدية فوق جذوع أجسادهم، مسابحهم الطويلة، ذقونهم البيضاء المتدلية حتى صدورهم، جلابيبهم الخضراء والبيضاء، طبولهم وصنوجهم وسيوفهم، ودورانهم حول أنفسهم ملوحين بالرايات عاليا، موحدين ومهللين ومرتلين :" يا آمنة بشراك سبحان من أعطاك...بحملك لمحمد رب السما هناك".
دوران لا ينقطع ورجاء بـ"نظرة لله يا رسول الله" وطلبا للـ:" مدد يا رسول الله... مدد يا حبيبي..."، دوران حتى يتبدد العالم من حول الدرويش فيسقط مغشيا عليه وقد أضناه العشق وعزت عليه الشفاعة.
عندما انتهى "المطهر الصفوري" من ختان "خالد" و "فراس"، وسقط الدراويش وصمت زارهم. تناولت شقيقتي ابنيها وسط زغاريد وأغنية:" طهره يا مطهر وناوله لامه يا دمعته السخية نزلت ع تمه...".
كانت الشمس قد بدأت تميل عن كبد السماء، عندما أخذت جموع الفلاحين تهبط منحدر الجرد مخلفة ورائها البئر القديمة بما فاضت به عن معانيها.
من الجرد إلى السهل تهادت السيارة، ووصلنا إلى بساتين خضراء، أشجارها من الحمضيات والموز تخترقها قنوات إسمنتية تجري فيها مياه رفعت من آبار جديدة، وعرفت بأننا سوف نكمل حفلنا في "مشروع العلمي"...
قبل أن أرى "مشروع العلمي" بأم عيني كنت سمعت أن والدي عمل في هذا المشروع بعد "النكبة" وخلال إقامته المؤقتة في "مخيم عقبة جبر" في "أريحا"، قبل أن ينتقل إلى "عمّان".
كان "مشروع العلمي" جزءا من "المشروع الإنشائي العربي"، وهو المشروع الذي اقر في الاجتماع التحضيري لـ"المؤتمر القومي العربي" المنعقد في الإسكندرية عام 1944. وخرج عنه قرارا بتشكيل "اللجنة الاقتصادية" العربية التي ضم إليها الزعيم المصري مصطفى النحاس باشا الوجيه والاقتصادي الفلسطيني موسى فيضي العلمي ممثلا لفلسطين فيها.
كان العلمي قد طرح خلال اجتماع الإسكندرية فكرة إنشاء "الصندوق القومي العربي"، على غرار "الصندوق اليهودي" من اجل مساعدة الفلاحين الفلسطينيين على التمسك بأراضيهم بإقامة مشاريع زراعية ودعم الإنتاج الزراعي وإحياء الأراضي الموات.
وقد أحيا المشروع أرضا بور في "أريحا" وحولها إلى بساتين غناء أطلق عليها الفلاحون اسم "مشروع العلمي"، حيث أكملنا حفلنا تحت أشجار الموز والحمضيات بجانب "عَمّال" المياه، أي القناة الإسمنتية التي تجري فيها مياه البئر الحديثة للمشروع.
بعد أن أكلت من لحم العقيقة أو النذر، لم اعد اذكر، نمت، واستيقظت في صباح اليوم التالي في بيت شقيقتي الذي غادرناه إلى "عمّان"...
كانت هذه أول وآخر زيارة ليّ لـسيدة الأرض، قبل ان تذهب كلها في العام التالي للقادمين من أربع أرجاء المعمورة ويطرد سكانها الأصليين...
ولن أعود لفلسطين مرة اخرى كمواطن، بل سأعود إلى بعض قراها الشمالية كفدائي تسلل في ثلاث دوريات استطلاع ليلية عبر جنوب لبنان قبل أن تحاصرنا قوات "جنود الرب" في "بيروت" عام 1982 وتطردنا إلى مناف اخرى. ولكني أعود إليها كل يوم في أحلامي وأفكاري وآمالي...
تدوينة رائعة ورد اروع من فاخر النحال مازلت في انتظار تدوينة ولو مختصرة عن الفترة التي قضيتها في بيروت واعتقد ان الكثير من القراء يشاركونني هدا الرائ وتقبلوا مروري
شخص | 23/03/2009, 20:19
وكأنك تتحدث في بعد آخر، أتساءل إن كان علي الندم أن لم أعش في هذه الفترة أم لا، على أية حال، تحية لك.
Catalyst | 23/03/2009, 23:44
محمد عمر ،
قـاص
قصـاص أثــر
تلقائيـة في السرد و ولوج مباشر دونما إستئذان لذاكرة أيام هذا الشعب
شعبنـا الفلسطيني لا قصص لديه ، بل هو قصص إنسانية في حد ذاته ، قصص لا تحكى بل تعـاش !
محمد عمر يا سادة .. لا يروي و لا يسرد
يأخذكم دونما إستئذان لتعايشوا واقعا كنا نعيشه منذ أربعون مضت .. يطير بكم على بساط منسوج من عشرات الخيوط لعائلة فلسطينية بسيطة من والدين و أشقاء و شقيقات و أصهـار ليلج بكم ماضيـا أجمل من كل حاضر نقبع به حاليــا ..
قصص محمد عمر .. تبعد قليلا عن السرد
أقرب قليلا من الذكرى ..
أدنى من العبر ..
شيطان .. يغويك بجمال الماضي البائس لا الحاضر المريح ..
يستحضر لك شخوصـا ما عادت بيننا
و طقوسا تلاشت أو توشك ..
مقتر !! (من قتر يقتـر ) أو (من قطر )
سيـان .. فهو يهبنـا نتاجه .. قطرة قطرة .. قطرات ..
عذبــة قطراتك أبا عمر .. رغم مرارة ماضينـــا ..
دمت بخير ...
فــاخــر النـحـال | 24/03/2009, 09:06
لكأنّها حكاية ذات ألف ربيع !!
إنك محظوظ ، لقد استطعت العودة لفلسطين كفدائي ، لطالما تمنّيت لو أنّني ولدت 40 أو 50 عاما قبل ولادتي لأكون فدائيا ! لكني محظوظ لأنّني أستطيع زيارتها متى أشاء الآن بعد أن "لمّوا شملي" !
قبل أيام قليلة ، كتبت هذه القصيدة(؟) و تركتها غير معنونة ،أهديتها لكل أصدقائي الذين لم يروها بعد
http://naserz.blogspot.com/2009/03/blog-post_17.html
Naser | 24/03/2009, 10:44
صباح الخير
اشكركم جميعا...
محمد عمر | 24/03/2009, 11:06
توظيف جميل لقصيدة درويش. ما عدت اعرف ما اذا كانت بئرك هي بئر درويش نفسها ام انها اخرى، رمزية. ام ان درويش مر بالبئر القديمة التي مررت انت بها. على كل حال هذا هو احساس الفلسطني بالقصيدة الدرويشية مهما اغرقت في رمزيتها اليس هو القائل "اقسى الوضوح هو الغموض".
اشكرك
سناء | 25/03/2009, 06:41
اسفة، اعتقد انه: اقسى الغموض هو الوضوح"، ما عدت اعرف، لعله "الغموض العذب"، كما قال الراحل الكبير.
سناء | 25/03/2009, 06:50
بالرغم من اني اقطن قلب سيدة الارض
الا انني بكيت من غربتكم ...ذاكرتك لا غبار عليها فالوادي هو الوادي والبئر هو البئر
ينتظر اياد مباركه ترتشف ماءه لتتطر وتطهره من دنسهم
بسمه | 27/03/2009, 09:15
موجوع أنـا يا بسمة .
أعتذر لأنـي جعلتك أنت و التراب و الهواء و البئر تنتظرون كثيرا ..
مرة سألت أبي في جلسة صفا : برأيك يا أبي و قد شارفت السبعين عمرا ، ما هو القرار الذي إتخذته يوما و لا زالت أثاره باقية على صفحات أيامك ؟
أجابني .. حينما قرر ذات حرب أن يقطع مع القاطعين من غرب إلى شرق .. لقد أعاد رسم خارطة حياته و حياة أبناءه و أحفاده إلى غير رجعة .. بعيدا جدا عن أرض إسمها فلسطين .. بقيت حلما عذريا لا تشوبه شائبة في ذهن أجيال ...
بسمة .. نحن نتعذب لأن رجلا ما قرر ذات حرب أن يتبع خطى ناحية الشرق !
فــاخــر النحــال | 27/03/2009, 18:13
فاخر النحال إنت شو وين عايش و كم عمرك و لازم احكيلك عمو كل ما أقرأ تعليقاتك بيصيبني فضول اعرفك؟؟؟؟؟؟
سارة | 08/07/2009, 10:14
مســاء الخير ، اليوم أرجعتنـي ياسيدي نحو 35 عـاما إلى منتصف السبعينيات عندما إجتزت " جسر العودة" الخشبي ، ولا زلت أذكر و بوضوح طقطقة العوارض الخشبيـة تحت إطارات الحافلة التي قطعت بنا الجسر ، أخبرني أبي بأن الحال لم يتغير كثيرا عما كان عليه وضع الجسر عام 67 ، و لازلت أذكر بقايا مخيم عين السلطان ، الغرف الطينية المرصوصة بجوار بعضها ، المفتوحة ناحية السماء حيث لا سقف لها ، و أتذكر بوضوح لا إطارات للنوافذ أو الأبواب ، فقط جدران بلون الطين المائل للون القش ، تنعكس عليها أشعة شمس الأصيل .
قدر لي أن أزور فلسطين من شمالها لجنوبهـا عدة مرات بعد ذلك ، يزداد جمالهـا في عيناي مرة بعد أخرى ، في منتصف التسعينيات ، توقفنـا في منطقـة في منتصف الطريق بين الخليل و حدود قطاع غزة ، هـالني اللون الأخضر المنتشر على مد البصر ، و حقول عباد الشمس ، و طواحين الهواء في الخلفيـة ، تعطيك الإنطباع بأنك خارج حدود منطقة الشرق الأوسط ككل.
الوطن جميل جدا جدا ، فمابالك لو كانت فلسطين بكل الألق التي تتمتع به !
شئ ما يحدثك بأنك في مكان مختلف ، لا أتحدث عن دولة أو كيان بل عن الأرض ككل ، خيراتها ، جغرافيتها ، رائحة الهواء و التراب .
زرت غزة ، على فقرها و جذب بيئتها ، فوالله ما وجدت أطعم و لا ألذ من عنب " الشيخ رضوان" و شربت من ماء المواصي على الشاطئ ما بين دير البلح و خان يونس ، فما رأيت إعجوبة أجمل منها ، و أنت على بعد أمتار من ماء البحر ، أحفر تحتك ، تحت رمال الشاطئ لعشرين أو 30 سم لا غير و أشرب ماء زلالا !!
عندهـا علمت لماذا كان السفلـة يسيطرون على شاطئ البحر من دير البلح حتى رفح ، و كيف تنجح مستوطنة زراعية على شاطئ أملح ؟
شوينا سمكا في كوخ العجوز " أبو موسى" على شاطئ خان يونس ، كان حلما ندر أن يتكرر !!
حتى القدس بحجارتها و مبانيها القديمة ، شئ ما يبهرك ، شئ ما يصيبك بالخرس ، تسير على غير هدي متتبعا الرائحة المعتقة في جدرانها ، تحكي قصصا و تروي أحداثا ، هنـا كانوا و لا زالوا !
ما وجدت قدسيـــة كما وجدتهـا في القدس ، جدرانهـا فيها الألفة ، ترحب بك على طريقتها و تشدك نحوهـا .
مقابرها القديمة ، أبوابها ، الأسواق و باعة الزعتر و المرمية و الكعك !
باحة قبة الصخرة و الأقصى و الحرم ككل ، تشـعر بأنك تحت عيني الله مباشرة ، و لا أدري لماذا شعرت حينهـا أنني أقرب ما أكون للسماء السابعـة !! قربا و شعورا ؟؟
فلسطين .. كأرض .. شئ آخر ، لا شئ يعدله ، لا شئ يفوقه ...
دمتم بخير
فـــاخـــر النـحــال | 23/03/2009, 15:00 [ الرد ]