شرف، عن مشعل...!
30 حزيران, 2006

لم أكن ارغب في رؤية صديقي ورفيقي "شربل" على الحالة التي هو عليها. أردت الاحتفاظ بصورة "الرفيق شربل"، القائد، الشاب الحيوي، سليط اللسان، المبتسم دوما...

لكن "شربل" اتصل بيّ وأصر على مشاهدتي، كنت في شوق لرؤيته، لكني كنت امنع نفسي من مشاهدته وهو يرقد على سريره في "مركز الحسين للسرطان".

عندما رأيته حاولت ان أتمالك نفسي، وقد فعلت، لكن مؤقتا، فعندما أراد ان ينهض من سريره وسقط في الحمام، سقطت في البكاء.

ساعدت "مشعل" في الجلوس على الكرسي المتحرك، وأخذته الى جانب نافذة عريضة تطل على الطرف الجنوبي من الجامعة الاردنية.

سرح "مشعل" في المشهد وتنهد قائلا: أهذا هو الوطن الذي قضينا عمرنا في النضال من اجله؟ معقولة يجي يوم ونشوف أحلامنا بتتحقق؟.

"مشعل" يعد ايامه على أصابع يديه. لكن الأمل لم يفارقه، فكلما اقترب من الخطر ازداد تماسكا وازداد مرحا..

 قبل أشهر كتبت عنه تدوينة "شفاعة شربل"، لكني اعتقد إنني كتبت تحت تأثير حالة نفسية شديدة فجرحت إحساس محبيه.

"شربل" او "مشعل الخيطان الهلسة" الكركي الحر، كما كل إخوانه، المرحوم فيصل، الشقيق الأكبر، والمناضلين هويدا وضرغام، وكل رفاقي وأصدقائي أولاد عمومتهم الكركيين جميعا وهم كثر. حملوا عن ابيهم، الشيخ الكركي الأصيل، وحفظوا عنه مثل واحد:" أحفظ شرفك منذ الصبا"، لذلك عاشوا واقفين ومات منهم من مات واقفا مثل زيتونة رومية بأرض حمود، ارض الكرك.

هناك، في الكرك، كما في كل الجنوب، لا يزال لديّ أصدقاء كثر، عشت معهم في الأردن ولبنان وسوريا، تقاسمنا الأفكار ورغيف الخبز، مرسنا الجميد سويا، في بيت "عصام حدادين" بدمشق. ليصنع لنا "مشعل" أطيب منسف بجميد كركي أصلي.

"مشعل" بقي عضوا في "لجنة الرقابة والتفتيش المركزية" في الجبهة، وانا غادرت الجبهة ووقفت موقف المنتقد لها ولكل تجربة اليسار.

عندما كتبت منتقدا "حزب الوحدة الشعبية" و "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين"، كان "مشعل" يمازحني: ولك يا قواد، لويش حاطنا براسك، ما ظل عندك مشكلة غير الحزب والجبهة تكتب عنهم؟.

وكان عصام حدادين يبتسم ويرد على مشعل مازحا: اتركه لخالد سمير (اسمي الحركي ايام كنت حزبيا) من زمان صار جاسوس.

عندما كنا في دمشق ولبنان، وحتى الان، كان هناك الكثير من "الرفاق الفلسطينيين" الذين ينظرون بريبة الى "الرفاق الاردنيين"، وكان "المرتابون" هؤلاء لا يريدون تصديق وجود عدد كبير من الرفاق "شرق الاردنيين" في صفوف فصائل فلسطينية ويعتقدون انهم "مندسين" او "مدسوسيين" على الفصائل الفلسطينية "المعقمة".

كان البعض لا يتواني عن اتهام "الرفاق شرق الاردنيين" بأنهم مخبرين. ومع ذلك فقد تساقط الرفاق الفلسطينيون "الانقياء"، وباع منهم من باع نفسه لكل من دفع ويدفع، هنا وهناك، وبقي الرفاق "المخبرين" على دربهم، ودفعوا ولا يزالون يدفعون ثمن قناعاتهم، بغض النظر عن مدى توافقي معهم.

كان لـ"شربل" او "عصام" او "ضرغام" او "جهاد" او "احسان" او "حازم" او "عبدالاله" او "الشهيد وضاح حدادين" وكثيرين غيرهم، كان لهم فرصة ذهبية ان يبيعوا أنفسهم، استنادا الى تاريخهم وأسمائهم، كما فعل العشرات من "المناضلين القدامى.

كان لهؤلاء فرصة ان يبيعوا أنفسهم، وان يغطوا خيانتهم لمبادئهم تحت شعارات "اكتشاف الهوية" والخطر على البلد، وكل المبررات التي يسوقها من باع، ومن يرفل الان في نعيم المناصب والأموال العامة. لكن "رفاقي المخبرين" اختاروا البقاء واقفين.

ذات يوم توفرت لصديقي "ضرغام"، شقيق "مشعل" فرصة الكتابة في صحيفة يومية، وقد بدأ الكتابة بالفعل، واستمر عدة أشهر عندما طلب اليه ان ينضم الى "جوقة المطبلين" "كتبة التدخل السريع"، "السحيجة"، قدمت له كل الإغراءات بوصفه "ابن بلد أصيل"، لكنه رفض وفضل العمل في القطاع الخاص على كتابة مقالات موحى بها من الأجهزة.

"مشعل" و "ضرغام" و "عصام" و "حازم" و "إحسان" و "ليث" و صايل" و "المرحوم الشهيد فيصل" و "هويدا" و "جهاد" و "لؤي" و "موسى"، وغيرهم الكثير، وقفوا دائما على حد السيف، بين نارين، نار ملاحقة واضطهاد واتهامات "رفاقهم الفلسطينيين الانقياء الثوريين" وملاحقة واضطهاد الأجهزة وعتب أبناء جلدتهم عليهم، ومع ذلك ما بدلوا تبديلا.

مشعل، او، شربل: كيف اتفق لك ان جمعت هاذين الاسمين؟...

كيف اتفق لك ان تكون مشعلا للحب والإخلاص والوطنية والفكر والنضال...

وكيف اتفق لك ان تكون بقداسة الشفيع شربل...!

تعليقات

Comment Icon

اول من أمس قرأت مادة في الغد عن شربل خيطان ، كانت المادة ( رغم ان كاتبها صديق و احترمه ) كانت تحتاج لوهج ما ، فوجئت حين استرسلت الغد في ذكر الشواهد على "بطولة"شربل بانقاذه احد اقاربه من الغرق في بركة ماء في الكرك !! كنت ابحث بين السطور عن رائحة البنادق و الخنادق و عن الالتزام الثوري و النقاء الثوري ، لم أجد في مادة الغد حتى انني لم اعرف من المادة ان اسمه الحركي "مشعل" ..

حين دخلت هنا و قرأت المادة تأثرت بسقوطه في الحمام و بكائك !! تأثرت بحد السيف الذي وقف عليه شربل و رفاقه بين رفاق ينظرون لهم ك"مخبرين" و مخبرين ينظرون لهم ك"مخربين" ليس !!!

كنت اتمنى ان تسهب اكثر لكن تدوينتك كانت أقصر من شغفي في قرآءت المزيد ..

تأثرت لأنني أعرف تماما كيف ينظر لشاب قروي مسكين لديه حس وطني عالي ، قرر ان يشارك في نشاطات حزب ما او الخروج في مسيرة ما او حتى دخول مقهى "للثوريين" فإذا بالكل يرقبه من طرف خفي " وطي صوتك شكلو مخابرات"

كثر من هؤلاء كفرو لانهم لم يستطيعو ان يستمرو و لسان حالهم يقول ،" يعني معارضة و لعانة والدين الي انت محسوب عليهم بيعتبروك مخبر حتى تثبت برائتك و المخابرات لا توفرك حين "تقع""

ليس لهم ما يبرر سقوطهم ، فشربل لم يسقط ، و لكن لهذا بالذات هو شربل ..

هذا هو الوطن!!نعم يبدو أنه هو .. ان اعرب الفلسطيني عن حبه له، أعتبر "مزبزب" و ان قرر الاردني التعبير عن حبه لفلسطين اعتبر " مخبر "... هذا هو الوطن من أيام شربل الى الان !!!

متأثر | 27/06/2009, 12:47 [ الرد ]

Comment Icon

أوجعتــنـي تدوينتـك ..

ذكرتني بسنوات مضت أواخر عقد الثمانينات فترة المخاض التي سبقت أحداث "جامعة اليرموك" في إربد ، تسنى لي وقتها أن أكون هناك ، آلمنـــي جدا أن التقسيمـة إياهـا كانت موجودة حينهـا - و في كل حين -

كل الطلبــة من غربي النهر
(أبناء تنظيمات)
كل الطلبــة من شرقي النهر
(مخبروا العمـادة)

ترى كم الأنـفس تاقت حينهـا إلى الإنعتاق من تلك القولبة الرخيصة
كم صداقة أو علاقة أو إنصهار أو إندماج أو مشروع إرتباط أو ضمة يد بيد .. كتب عليها أن تقف على الحافة خشية أن تسقط تحت تصنيف الفسطاطين أعلاه ؟؟

محمد عمر .. أتوق لأسمع منك كثيرا عن أبناء الأردن شماله و جنوبه ممن قبضوا على جمر المبدأ و لا زالوا .. أعلم بأن ذاكرتك تحمل الكثير ، فلا تحرمنا من أن نعرفهم و نتعرف عليهم ، فلا تكن أنت .. و التجاهل .. و جهلنا بهم .. و الإعلام الرسمي عليهم !!

فـاخـر النـحـال | 27/06/2009, 15:40 [ الرد ]

Comment Icon

مساء الخير بالامس فقط انهيت رواية داكرة الجسد (احلاممستغانمي)تسرد داكرة مناضل سابق من حرب التحرير ورفضه بيع مواقفه المهم تتشابه قصص المناضلون الشرفاء في البلاد العربية نعم يااستاد محمد عمر البعض سرقوا الثورة

شخص | 27/06/2009, 17:17 [ الرد ]

Comment Icon

يا سلام عليم يا محمد عمر الواحد ما بيشبع من كلامك درر الله يعطيك العافية

غسان | 28/06/2009, 09:35 [ الرد ]

Comment Icon

"مشعل، او، شربل: كيف اتفق لك ان جمعت هاذين الاسمين؟...
كيف اتفق لك ان تكون مشعلا للحب والإخلاص والوطنية والفكر والنضال...
وكيف اتفق لك ان تكون بقداسة الشفيع شربل...!"
أرجوك.. لا تخسر المعركة قاوم.. فعلى الارض بعد ما يستحق الحياة..

عبد الرحمن الخطيب //قطر | 28/06/2009, 11:04 [ الرد ]

Comment Icon

محمد عمر
شكرا الك ع المدونه
انا من الكرك ،وكتير تفاءلت بقراءة المدونة بوجود من يؤمن بوحدة القضية على الرغم من وجود الكثيرين الذين يريدون ان يبينوا العكس والفرقة

نور الله | 28/06/2009, 14:18 [ الرد ]

Comment Icon

الكاتب عمر الفاضل
اعتذر
اذا ازعجتك بالرد علي مدونه شفاعه شربل ولكن والله من حبي لمشعل
وكم خجلت من نفسي عندما علمت كم هو حب مشعل لك

كركيه | 29/06/2009, 18:55 [ الرد ]

Comment Icon

ولا يهمك يا عزيزتي ما في شي تعتذري عنه. تسلمي

محمد عمر | 01/07/2009, 08:55 [ الرد ]

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba