عيشة كلاب...!
05 كانون اول, 2009

قراءة في فنجان الزمن الراهن، ما الذي انت عليه الان وقد بلغت من العمر ارذله....

كنت وعدت "ميسو" باكلة سمك. وقد انتهى دوامي امس مساء، اشتريت سمكاً وذهبت به الى البيت،،،

وطالما حضر السمك، فلا بد من كأس عرق،، وفي البيت اشرب "العرق" بكؤوس الشراب الكبيرة،،، ليس بكأس الشراب المعتق باللازورد، اذ انني لا انتظرها..

يعني، في البيت لا اتقيد كثيرا بطقوس شرب "العرق" بالكاسات الصغيرة، وتغيير الكأس كلما فرغت، انما اشرب كؤوسي الثلاث من كأس واحدة لا اغيرها...

وعادة ما انام فورا بعد عشاء كهذا وثلاثة كؤوس "عرس"، ولي اصدقاء كثر مثلي...

زوجة احد اصدقائي، وهي سورية الجنسية، تتعب طيلة النهار في تحضير المازات وقلي السمك، وتوضيب سفرة طويلة عريضة، الا ان زوجها يسرع الى النوم بمجرد الانتهاء من الاكل.

زوجة صديقي هذا تتندر على حكاية نوم زوجها مباشرة بعد الطعام، وعلى التهامه الطعام سريعا، فبالنسبة لها، فان وجبة "السمك" مع "العرق" هي اكثر من عشاء، هي سهرة كاملة، قد تمتد الى الصباح، وبالنسبة لنا، هي مجرد عشاء، بغض النظر عن عشرات صحون المازة من التبولة والكبة والمتبل والبابا غنوج وسلطة الجرجير والسلطة الخشنة والسلطة بطحينة وباقي العدة والكرستة، لزوم السهرة...

ولانني نمت باكرا فقد ساتقيظت باكرا، استيقظت على الرابعة والنصف صباحا، وبي شوق لقراءة الاخبار ومعرفة ماذا حدث عندما عندما كنت نائماً...

حدث مثلاً، ان تداعيات رفض السويسريين لبناء مآذن اخذ في التفاعل في الاوساط الاسلامية، وحدث ان "السلطنة العثمانية الجديدة" بزعامة "اردوغان" تصعد ضد سويسرا.

فيما، لم اقرأ او اسمع شيئا عن التقرير الخطير الذي اصدرته احدى منظمات حقوق الانسان، وهي منظمة اسرائيلية بالمناسبة، عن سحب هويات 4577 مقدسيا، خلال العام الماضي وحده، اي، ما يعادل نصف العدد الذي سحبته خلال اربعين عاماً...

وفي نفس الموضوع، فان اسرائيل تقيم الدنيا ولا تقعدها على القرار الذي يفكر الاتحاد الاوروبي في اتخاذه باعتبار القدس عاصمة لدولتين، واكثر ما اغاظ اسرائيل هو تقرير السويد عن ان اسرائيل استولت على نحو ثلاثين في المائة من اراضي القدس الشرقية..

في نفس المجال، يناضل رعايا الطائفة الارثوذكسية المسيحية يوميا لتعريب كنيستهم، في محاولة للتخلص من رجال الدين الاجانب الذين باعوا اغلب اموال الكنيسة لليهود، ومع ذلك فلم اقرأ خبرا واحدا عن النشاطات اليومية التي يقوم بها ابناء هذه الطائفة في الاردن وفلسطين في سبيل تعريب الكنيسة.

وبالطبع، فان قرار اسرائيل تجميد بناء المستوطنات، واستثناء القدس منه، واستمرار المتطرفين اليهود في الاستيلاء يوميا على بيوت المقدسيين، ليس له اهمية تذكر في الصحافة..

على كل، الصراع على القدس يشتد هذه الايام، ومع ذلك فان احدا لا يحرك ساكنا،،،

الغريب، ان اعتداءات اسرائيل على الانسان المقدسي، وتغيير معالم المدينة الديمغرافية، من سحب هويات مواطنيها، والاستيلاء على منازلهم وطردهم وتفريغها من سكانها الاصليين، لا يحرك وجدان احد، فيما تقوم الدنيا ولا تقعد لو ان مخرجا سينمائيا دمر مأذنة..

بالمناسبة، لا يتحرك المسلمون دفاعا عن دينهم الا اذ مس "الاعداء" رمزا من رموز هذه الديانة، اما لو مسوا انسانها فهذا ليس مهما...

العنف الطائفي في العراق لم ينفجر الا بعد تدمير مقامي الامام العسكري والهادي،، اما القتل على الهوية، وبناء نظام سياسي طائفي غير متوازن فهذا لم يكن مهماً، طلما الحجارة المقدسة لم تمس...

منذ انفجار الصراع مع الصهيونية على ارض فلسطين خاض الشعب الفلسطيني 23 انفاضة، منذ انتفاضة البراق عام 1922، وكلها كانت رد فعل على محاولات اسرائيل او المتطرفين اليهود اقتحام او تغيير معالم "المسجد الاقصى"،،،

طيب لو ان اسرائيل استولت على القدس كاملة وابقت "المسجد الاقصى" على حاله بدون تغيير فهل سينتفض احد، اشك، فالقداسة هنا للحجارة والرمز الديني،، حتى الانتفاضات الفلسطينية اطلق عليها "انتفاضات الحجارة"،،،

مش مهم، ان تستولي اسرائيل على الارض، وتهجر السكان، وتستولي على المياه، وتقطع شجر الزيتون،،،الخ، المهم ان لا تعتدي على الحجارة المقدسة،،

ليس مهما، التفاوت الطبقي، وانهيار الدول، والاقتصاديات، وانظمة التعليم والخدمات، والفقر، والبطالة، والجوع، وانتشار الامية، واطفال الشوارع، والفساد، مئات الاف القتلى والمشردين في العراء في حرب صعدة باليمن، ولا القتل اليومي في العراق، ودارفور،،،الخ

المهم ان لا يمس الفريق الوطني، والعلم الوطني، واغنية "طلت الروفر"، و" يا حبيبتي يا مصر"، و "زارعين السمسم"، والحطة السوداء والحمرا، ومزار النبي دانيال، ومأذنة الجامع،،،،

كأننا شعب خاضع للموتى، بحسب تعبير كارل ماركس، نعيش على الماضي، وفي الماضي، وليس مهما الحاضر ولا المستقبل، حين نصحو يوما، وهو قريب، وتكون القدس صارت يهودية بالكامل...

ليتني لم اعش حتى هذه اللحظة...

أسوأ ما في هذه الحياة، ان يعيش الانسان الى هذه اللحظة، ان يبلغ ارذل العمر، وان يشاهد بام عينه عصر الانحطاط، وتتحول كل همومه وطموحاته واحلامه على اكلة سمك،،

زمان، كنا في "ثورة"، وكنا ننتمي الى احزاب سرية، وكنا مغامرين، ربما اخطئنا كثيرا، وربما افسدنا، وربما فشلنا في تحقيق كل احلامنا، لكننا كنا نحاول، على الاقل كأفراد،،،

كأفراد كان منا من ضحى بحياته، ومن ضحى باستقراره، وعلمه وتعليمه ومستقبله ومستقبل اهله، لاننا كنا نؤمن بحق الناس في حياة حرة كريمة،،،

الان، بينما ارقد محتضرا، بعد هذا العمر، لا املك شيئا سوى الفرجة على الجياع والعطشى، والفقراء، والاجئيين، وانا اتلذذ باكلة سمك واطرب لمديح "ميسو" في مهارتي بهي السمك...

انها الحياة التي رفضناها شبابا، وكنا نسخر من ابائنا، الذين كانوا يقولون لنا: امشي الحيط الحيط وقول يا رب الستيرة، والعين ما بتلاطش مخرز... واليوم نقبلها شيوخا ونرضى بها، ونعتبر ان امتلاك بيت بالتقسيط المريح من البنك انجازا لا يدانيه انجاز، او تعليم ابنة في جامعة هي أسوأ من "روضة ام عوض" تاعت وكالة الغوث في المخيم، بانه اعظم ثمرة انجبتها...

المشكلة هذا الشعور بالعجز، الشعور بالخواء، وباللاجدوى، الشعور بانك اصبحت ابا، وصارت لديك مسؤوليات، ولم تعد ملكا لنفسك، والكل يقول لك :" اعقل يا زلمة انت كبرت وصرت مسؤول عن اسرة"،،،

المشكلة عندما تشعر ان كل الطرق المغلقة، فلا احزاب تستحق ان تنتمي اليها، ولا فكرة تستحق ان تتبنها، ولا عملا فرديا تستطيع ان تقوم به،،،

والمشكلة الاعوص ايضا، ان تعيش نحو نصف قرن في بلد، لا يتوقف البعض فيه عن محاولة اقصائك وتهميشك، والتشكيك في انتمائك، ودفعك للتقوقع على نفسك، والمشي بجنب الحيط، ورفضك، والتعامل معك كطاريء وجاحد وناكر جميل، كأنك كنت تعيش عمرك على فتات موائدهم، كأنك لم تكن جزءا من هذا البلد، ولم تسهم في بنائه...

كأنك يا ابو زيد ما غزيّت...

خايف يجي يوم، اصير اصحى الصبح اقول مثل تنابل السلطان العثماني عبد الحميد، او مثل مسلسل اللبناني زياد رحباني " قولوا الله بعدنا طيبين"...

يلعن ابوك يا زمن...اي هاي عيشة، والله عيشة الكلاب افضل منها...

تعليقات

Comment Icon

اشياء كثير حكيتها صح واشياء كثير ما بوافق عليها بس الاكيد انه بوصلتنا ( مشلفة) او بالاحرى ما في بوصلة وعنجد احنا ضايعين.

ابو صقر | 05/12/2009, 08:44 [ الرد ]

Comment Icon

المشكلة عندما تشعر ان كل الطرق المغلقة، فلا احزاب تستحق ان تنتمي اليها، ولا فكرة تستحق ان تتبنها، ولا عملا فرديا تستطيع ان تقوم به،،،

ش | 05/12/2009, 10:01 [ الرد ]

Comment Icon

العصبية أساس البلاء...و ما اتيس من الاردني إلا الفلسطيني والعكس صحيح....كأنه مجلس النواب عمرو كان فيه خير..كل ما يزيد هم الناس بيعطوهم إنتخابات...عشان يقسموا الناس ل أردني و فلسطيني و شمالاتي و جنوبي والعشيرة تصير فخاذز..والحرامية بتسرق والناس بتضرب مناسف ببلاش...و تحيا الديمقراطية ..و يعيش حضرة صاحب الجلالة....لانه طول ما هوة بخير..who cares و دمتم

جهاد | 05/12/2009, 18:31 [ الرد ]

Comment Icon

Ghasan kanafani was trying to resist the occupation while drinking wine, he failed too

Typical Jordanian Gu y | 06/12/2009, 03:25 [ الرد ]

Comment Icon

ليس عليك حرج

زياد الجيوسي | 09/12/2009, 13:15 [ الرد ]

Comment Icon

تعزف على الوتر الحساس
حسنا بم تنصح شابا صحفيا مغربيا غير متزوج مثلي؟

عبد اللطيف | 06/12/2009, 18:45 [ الرد ]

Comment Icon

يا استاذ محمد، مثل كل مقالاتك رائع و صريح. شكرا لأنك بتخليني اشعر اني لازم اكتب و لازم نستمر بالتعبير عن اراءنا.

مريم | 07/12/2009, 17:21 [ الرد ]

Comment Icon

السلام عليكم
كلامك محزن

انسانه | 08/12/2009, 08:13 [ الرد ]

Comment Icon

رائع!!!
بس كأبتني صراحة.

مواطن من كوكب الأرض | 10/12/2009, 09:18 [ الرد ]

Comment Icon

عندما غزا نابليون مصر قال بأنه جاءها مسلماً ..وعلى هذا فقد خرج جمع مشايخ مصر الكبيرة للإحتفاء به ..وكتب تاريخ الحقبة كما أراد ..
خرج بونابرت مهزوماً ...فعاودنا كتابة التاريخ كما أراد العثمانيون ..
ذاك هو تاريخنا ..أن يساق شعب أكمله إلى الموت ..وهو يظن ان عليه ألا يحزن " فإن الله معنا "
البارحة كان أحد الأصدقاء يحادثني بأن ما تبثه وسائل الإعلام عما يحدث في أوروبا للمسلمين هو محاولة فجة لحرف مسارنا الطبيعي ..
نعم هي كذلك ..ولكنه قالها في الصباح الباكر وفي المساء كان يحادثني عن نهاية العالم ..؟؟؟
هناك من قال بعدنا طيبين قولوا الله وهم كثر الأقلية عليها أن تقول لا لسنا " طيبين "
تحياتي الحارة

أبو حجر | 21/12/2009, 13:17 [ الرد ]

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba