منذ فترة احاول ان امنع نفسي من الكتابة في اي شأن داخلي، ذلك انني من الصنف الذي لا يستطيع ان يتحكم بغضبه وقرفه، ولا اتمالك تداعياتي..
سأحاول قدر الامكان هنا السيطرة على نفسي...
"البلطجية"، "البلاطجة"، "الشبيحة" او "الزعران"، وغيرها. كلمات راجت كثيرا بعد اندلاع الثورات العربية.
يعتقد البعض ان هذه المجموعات هي اختراع خاص بالانظمة العربية، التي باد بعضها، وبعضها الاخر لا يزال ينتظر، وما بدلوا تبديلا.
في الواقع ان "البلطجة" ليست حكرا علينا، وليست اختراعا عربيا محضا.
فقد عرف العالم هذه الظاهرة منذ زمن بعيد.
يرجع بعض المؤرخين ظهورها الى النظام الفاشي في ايطاليا، نظام موسوليني الذي شكل فرقة شبه عسكرية اطلق عليها اسم "القمصان السود".
وشكل الجيش البريطاني مجموعات "بلطجة" في ايرلندا الشمالية للعمل ضد الجيش الجمهوري الايرلندي السري.
وقد امتدت الظاهرة الى اميركا اللاتينية عندما عمدت الطغم العسكرية الحاكمة الى تشكيل مجموعات "شبه عسكرية"، اغلبها تم حله وبعضها لا يزال يعمل خاصة في كولومبيا التي لا تزال تشهد حركة كفاح مسلح من قبل "القوات المسلحة الثورية الكولومبية"الـ FARC لتغيير النظام الفاسد.
وفي المكسيك فأن مهربي البشر والمخدرات بالتعاون مع الشرطة وقيادات فاسدة في الجيش لا يزالون يحتفظون بمجموعات بلطجة شبه مسلحة قامت مؤخرا بعمليات قتل مروعة لمواطنيين وصحفيين.
او كما فعل النظام العسكري البوليفي بالتعاون مع الاستخبارات الاميركية، عندما قامت الثورة بقيادة تشي غيفارا في ارياف بوليفيا عام 1962.
الواقع ان الـ "سي اي ايه" كانت خلف تشكيل كل منظمات "البلطجة شبه العسكرية" في دول اميركا اللاتينية وخاصة في نيكاراغوا وتشيلي وكولومبيا وبوليفيا.
وقد نفذت هذه المجموعات عمليات ارهاب واسعة اودت بحياة الاف الفلاحين.
وقد اجبر غيفارا، حينها، على تشكيل محاكم عسكرية فورية اعدم فيها المئات من هؤلاء البلاطجة، وهكذا اندلع عنف وعنف مضاد، الامر الذي اضر كثيرا بصورته إمام فلاحي بوليفيا وحرم ثورته قاعدتها الاجتماعية.
مجموعات "البلطجية" او "الشبيحة" هذه كان هدفها، اساسا، ترويع المواطنين من خلال القيام باعمال ارهابية ونسبها الى "الثوار" وحركات المعارضة والإصلاحيين والصحفيين المطالبين بالتغيير.
وقد نجحت بعض هذه الأنظمة من خلال استخدام البلطجية، كما يحدث في مصر حاليا، وسوريا وتونس واليمن، في خلق حالة من عدم الاستقرار، والدفع بالثورة المضادة، وتصوير الحالة الثورية على أنها حالة عدم استقرار وانفلات امني.
وهكذا فان شعار كل نظام قمعي: هو بلد الأمن والأمان، وتفضيل أمان القطيع على تحرره.
لكن الأسوأ في موضوع "البلطجية" او "الشبيحة" هو أن يتم تشكيل هذه المجموعات في بعض الدول على أساس الانقسام المجتمعي، وسياسة فرق تسد، كما كانت عليه حال ايرلندا الشمالية، البروتستانت والكاثوليك، وبعض دول أميركا اللاتينية، سكان أصليين وغير أصليين. او تستهدف فئة من السكان اكثر من غيرها.
وقد امتدت هذه الظاهرة لتشمل دول عدة في افريقيا، أدت في بعضها إلى حروب أهلية.
بالمناسبة تسمى هذه الظاهرة في الخارج بالميليشيات او " Paramilitary" اي انها منظمات شبه عسكرية، لكن هذه التسمية اكتسبتها بعد وقت، اذ ان الظاهرة بدأت "مدنية" في البداية، كما هو الحال عندنا، ثم تحولت إلى ميليشيات شبه عسكرية.
لا استبعد ان تتطور الظاهرة في بعض الدول العربية، فبعض البلطجية و الشبيحة والزعران الآن صاروا أكثر تنظيما ويحملون السلاح ويطلقون النار على المتظاهرين ويتقاسمون "العنف" مع الدولة التي صارت تضعف شيئا فشيئا وتتخلى عن مسؤولياتها وواجباتها، واحتكارها للعنف.
"اذا اردنا ان نعرف ماذا يجري في البرازيل، علينا ان نعرف ماذا يجري في ايطاليا.."..
ما علينا..
مختصر القول ان ظاهرة "البلطجية" و تفريق الشعوب كسلاح تستخدمه الأنظمة القمعية الفاسدة لاستمرار سيطرتها على البشر والحجر، ليست جديدة.
سأضع مسؤوليات النظام عن ظاهرة البلطجة جانبا..
الجديد، وهو شأن ننفرد فيه نحن في الاردن هو ان تكون بعض "المعارضة"، والحقيقة ان "بعض" هذه، هي المعارضة الاعلى صوتا في البلد، والتي فرضت رؤيتها على "الدولة" في تواطؤ واضح مع النخب الفاسدة في الحكم، هي من مهدت الطريق لظهور "البلطجة" من خلال تعميق وتسويغ "الانقسام المجتمعي" وإظهاره كمطلب وطني ضروري للإصلاح.
اقصد بالمعارضة هنا مجموعات مثل: التيار الوطني التقدمي، الحركة الوطنية الاردنية، مجموعة الـ36، اليسار الاجتماعي، اللجنة الوطنية للمتقاعدين العسكريين، والى حد ما "حزب جبهة العمل الاسلامي"، وبعض "الاحزاب الوسطية" او بالاحرى اليمينية، اضيف الى هؤلاء، عشرات الكتاب او الكتبة في الصحف والمواقع الذين ساندو اطروحات هذه المعارضة:
ارتكزت اطروحات هذه التيارات، في كل بياناتها ومواقفها، على مقولتين أساسيتين، لا ثالث لهما : الهوية والوطن البديل.
وقد اشترطت هذه المعارضة الإصلاح في: الحفاظ على الهوية، ورفض التوطين.
غالبا ما تستخدم هذه التيارات مصطلح "التوطين" بدل "حق العودة"، كما هو الحال مع الاحزاب والقوى الفاشية اللبنانية، مليشيات وبلاطجة النظام اللبناني الطائفي الفاسد.
الى جانب ان هذه الاشتراطات عطلت الاصلاح في البلد، وقدمت حجة قوية ومانعة لقوى الشد العكسي في الحكم لتعطيل الاصلاح، تحت حجج عدم التوافق، وبالتالي ادخال البلد في دوامة من النقاشات والحوارات واللجان التي لا تكاد تنتهي.
الى جانب هذه فقد عمقت اطروحات هذه "المعارضة" ليس حالة الانقسام المجتمعي فحسب، بل ادت الى ظهور "العنصرية" بابشع صورها.
ليس الخلل في طرح مفاهيم "الهوية" و "الوطن البديل" بحد ذاتها.
لكن اطروحات هذه المعارضة استندت إلى:
مفهوم جامد واحادي للهوية الوطنية الأردنية. مفهوم يقوم على إقصاء مكون رئيسي من الشعب، ومكونات اخرى.
مفهوم قام بتقسيم الشعب على أساس افقي، اردني فلسطيني، متغاضيا عن امور اخرى مثل : الطبقية، المهنية، الدين، الثقافة...الخ
مفهوم جامد بمعنى انها صورت الهوية كشأن ازلي محصور في فئة من الشعب دون غيرها، غير قابل للتغيير والتبديل والتعددية.
وقد أعطت هذا المفهوم بعدا "مقدسا" عندما صار إلى "تصنيم" او "فيتشية" رموز محددة، وتجاهل رموز وثقافات وعادات وتقاليد اخرى.
ولأن الهوية لا تنهض الا على "آخر"، ولأنها، أي هذه المعارضة، عجزت ان تجد "عدوا، آخرا" مثل "العدو الإسرائيلي" يوحد الهوية، ولأنها شعرت ان العبء الاقتصادي على المواطن جعله ينظر الى شقيقه نظرة "بغض" فقد استغلت هذا الآخر "الشقيق" في محاولة إعادة تركيب الهوية.
وهي بالقدر الذي "قدست" فيه رموز "هوية أحادية" عمدت إلى تشويه هوية الآخر، فالفساد صار، مثلا، له اصل واحد يتم التركيز عليه، ويتم تجاهل فساد "الذات".
اما الوطن البديل، فهو بمقدار ما هو حقيقة، ومتحقق أصلا، بفعل السياسات الرسمية على مدار 63 عاما، فقد تم "تصويره" على انه مؤامرة "الشقيق" وليس العدو.
وهكذا جرى ويجري تصويره كأنه اقل "وطنية" واقل عداء لاسرائيل والوطن البديل من غيره...
وصار مجرد زيادة عدد مقاعد عمان والزرقاء، وصعود 6 او 8 اردنيين من اصل فلسطيني الى البرلمان يعني "توطين" و "ووطن بديل"، وكأن الفلسطيني هو المستعد للقبول بالوطن البديل والاتفاقات المذلة اكثر من غيره.
وقد جرى ويجري اختزال الأردني من اصل فلسطيني بتصويره على انه "كائن اقتصادي" وحسب.
فهو الذي لا يتسمك بهويته الفلسطينية، صامت لا يطاب بحق عودة، ولا ينتمي الى هويته الأردنية، لا يشارك في الفعل السياسي. وهو الذي يسيطر على القطاع الخاص، ولا يعنيه في الدنيا امرأ سوى تأمين حياة رغدة متمتعا بـ"جنسية" لا يقدرها.
دائما يجري تصوير الفلسطيني كـ"أفراخ حمام" يتشت شمله عند اي حدث. حتى الانضمام الى مجلس التعاون الخليجي هو "جسر لتهجير" الفلسطيني.
كأن الفلسطيني لا يبحث الا عن منفذ لحياة رغدة، مجلس تعاون، جنسية، جواز سفر، جسر مفتوح، تاشيرة ..الخ، وكأنه صامد في ارضه لانه لا يزال هنا وهناك من يضع اسلاكا شائكة حول وطنه تمنعه من الهروب.
الحقيقة المرة ان هذه الاسلاك تمنعه من العودة لارض البرتقال الحزين...
المهم..
لا تقوم اطروحات هؤلاء الا على امر واحد فقط "دسترة فك الارتباط" وحسب..
ولا يوجد في قاموسها مفاهيم : الديمقراطية الناجزة، المواطنة، الأحزاب..الخ
ليس مهما ما اذا كانت الديمقراطية الناجزة سوف تنتج برلمانا ممثلا للشعب ككل يحمي البلد ويدافع عنها ويفرض ما يناسب مصلحة الوطن العليا، بل المهم كيف يكون تشكيل البرلمان، ذلك ان هناك، في عرف هذه المعارضة فئة "خائنة" او "مايصة" و فئة "ناجية" و "رجولية" و "أهل نخوة وشرف".
مع العلم ان البرلمان العشائري هو الذي مرر اتفاقية وادي عربة.
كان من شأن هذه الاطروحات أن :
عزلت نصف المجتمع عن الفعل، وتركته في حيرة من امره في امر هويته ومصيره. وعطلت على حركة الاصلاح مشاركة هذا النصف.
عززت النظرة "الدونية"، تقرأ "العنصرية" عند طرف ضد الطرف الآخر. وسمحت لظاهرة البلطجة، ان لم يكن في الظهور، فبالتبرير والتقبل.
لا اريد ان اكتب اكثر..
لكن اريد ان اقول خلاصة اساسية، ان هذه المعارضة وخاصة التي تدعي "اليسار" منها، هي من اعطى النخب الفاسدة السلاح الامضى في المعركة، لا اقصد البلطجة وحسب، انما تمييع او تغييب البعد الطبقي وهو اساس الصراع الحالي، وسمحت لهذه النخب بتغليفه ببعد ثقافي "الهوية" و "جهوي"، اردني فلسطيني ما عطل مسيرة الاصلاح وقسم الناس والبلاد والعباد.
ياليت تكون قدكلامك وماتكتب لانك مقرف فعلآ
زاهر | 16/05/2011, 12:59 [ الرد ]