في الصحبة والمحبة...!
31 تموز, 2008

"كل حب يكون معه طلب لا يعوَّل عليه...كل حب لا يتعلق بنفسه وهو المسمى حب الحب لا يعوَّل عليه...كل حب لا يفنيك عنك ولا يتغير بتغير التجلي لا يعوَّل عليه."...

 

كان عليّ ان أكمل في قراءة اعمال غالب هلسا اليوم. لكن، قررت ان اعمل فاصل فقرأ في كتاب اخر. اخترت ان اقرأ كتاب " مع الشيخ الاكبر ابن عربي" لعصام محفوظ الصادر لدى دار الفاربي عام 2003.

ليس غريبا ان اختار كتبا كهذا، وهو كتاب غني على قصره، فهو لا يتعدى المائة والعشرين صفحة من القطع الصغير.

ان تذهب في رحلة مع الشيخ الاكبر ابن عربي، يعني ان تذهب في رحلة مع الحب والمحبة والتسامح. وهي ربما اكثر الامور التي تنقصنا حاضرا.

في زمن "انفجار الهويات" القاتلة. زمن التناحر الطائفي والمذهبي. زمن تكفير الكل للكل. والارهاب الفكري ومديح الكراهية. يكون الملاذ في فكر الشيخ ابن عربي :" ان الله ما اوجد العالم الا على الحب...".

المهم..

الكتاب، عبارة عن حوار متخيل اجراه الكاتب مع الشيخ ابن عربي في عام 586، في دمشق حيث اقام ابن عربي في اواخر عمره، ومات فيها ودفن هناك على سفح جبل قاسيون.

اذا كان هناك من مفكر صوفي غزير الانتاج، عصيّ على الفهم، فهو ابن عربي بالتاكيد الذي كتب نحوا من 450 مصنفا. وهو من نقل التصوف من "الشطح" الى ما يسميه هو "العلم اللدني". والعلم اللدني بالنسبة لابن عربي هو علم القلب لا علم العقل. فـان "العقل قيد، يحصر الامر في نعت واحد، والحقيقة تأبى الحصر في نفس الأمر."

ان كان ابن عربي فيما سبق يرفض اعمال العقل والفكر في شوؤن الله، ويرفض عقلانية ابن رشد. الا ان ابن عربي يرفض ايضا احتكار الحقيقة مصرا على التعدد في الطريق الى الله والعودة الى "روح الدين من حيث هو محاولة للارتقاء بالخلق الى مستوى الخالق" والوصول الى "الانسان الكامل" الذي يجمع "الحق والخلق" معا في "وحدة الوجود".

على ما في هذه الفكرة من تبسيط لفكر ابن عربي المعقد، الا انها تصح كمنطلق لفهم مغاير للدين. فهم قابل لاستيعاب كل اتباع الديانات الاخرى بل والكافرين والمشركين والملحدين بوصفهم جميعا "مؤمنون بالله بحسب مشئيته"، وتاليا فأن ابن عربي، بهذا الفهم، اصبح قلبه قابلا كل صورة، كل اتباع الديانات الاخرى ومن ليسوا كذلك ايضا:

"لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي إذا لم يكن ديني إلى دينه داني

فأصبح قلبي قابلا كل صورة فمرعى لغزلان ودير لرهبان

وبيت لأوثان وكعبة طائف وألواح توراة ومصحف قرآن

أدين بدين الحب أنى توجهت ركائبه فالحب ديني وإيماني"

"طريق الله هو الطريق العام، أما الطريق الى الله فيتعدد بتعدد أنفاس الخلائق".

"العبد هو منشيء الدين، اما الحق فهو واضع الاحكام"...

الكتاب، محاولة لشرح كل فكر ابن عربي في التصوف وتبسيطه: التجلي، الفيض، وهم الوجود، الموت، العلم اللدني، الانتقال بين المراتب، الهمّة، الحروف، الخضر... كما وحياة ابن عربي وموقفه الرافض للزهد والتمييز ضد المرأة والحجاب. واجمالا فقد نجح المؤلف في تقديم كتيب شرح فيه بلغة مبسطة نوعا ما لفكر معقد.

على ان فكرة "التعدد" هذه ربما هي الفكرة الجوهرية التي شدتني اكثر في فكر شيخنا. خاصة ونحن نعيش زمن التكفير والكآبة.

من اقوال ابن عربي في الصحبة والمحبة:

"من صحبك برؤيا لا تعول على صحبته فإنه بها يهجرك."

"من صحبك بخاطره لا تعول عليه فإنه يغدر بك أوثق ما تكون به ويقطع بك أحوج ما تكون إليه."

"من صحبك لما يستفيده منك فلا تعول عليه، فإنه ينقضي بتحصيل ما يرجوه منك وربما كفر تلك النعمة إذا أراد الفراق فكن منه على حذر."

"من صحبك بعقله أو لذاتك فذاك الذي يعوَّل عليه. "..

"كل حب يكون معه طلب لا يعوَّل عليه."

"كل حب لا يتعلق بنفسه وهو المسمى حب الحب لا يعوَّل عليه."

"كل حب لا يفنيك عنك ولا يتغير بتغير التجلي لا يعوَّل عليه."

كلّ شوق يسكُن باللقاء لا يعوّل عليه

تعليقات

Comment Icon

كلام جميل، رائع، اعتقد من المفيد قراءة مثل هذه الكلمات والمعاني الرائعة.

حلقة اليوم كانت عبارة عن كما تفضلت وعلقت بالمدونة السابقة: اتيح للبعض مساحة للتعبير عن حقده وكبته وعقده بدون اي حرج. وليس على المريض حرج .
فيجب ان نظل كما يرى البعض، هنالك امور يجب ان يتم التغطية عليها، عدم التطرق اليها ومناقشتها. ولا الفكرة الاحلى انها امور تتعلق فقط بالغرب، تناقش هناك وليس عندنا نحن المجتمع (المحافظ) اهلين مجتمع محافظ، المشكلة احنا لسة عايشين باوهام انه هيك امور (الامور التي يتم طرحها بالبرنامج) غير موجودة بمجتمعنا وان ما يحدث من حالات هي فقط حالات فردية وليست ظاهرة تستحق دراستها ولا تستحتق التطرق اليها، فهي مواضيع حساسة وكأن موضوع انحراف الاطفال والشباب متوقف على البرنامج (والفكرة ليست كذلك بالعكس هو برنامج توعية وايصال افكار مهمة ومناقشتها باسلوب علمي واعي بعكس ما قيل) فهنالك النت والتلفاز واجهزة الدي في دي والمجلات ووسائل كثيرة اخرى سهل الوصول اليها، فهل نسينا كل هذه الامور وبدأنا نهاجم برنامج هدفه الاول والاخير ايصال رسالة مهمة لمعرفة ما يحدث في مجتمعنا المحافظ العزيز.
كل ما تم مناقشته من مواضيع في البرنامج هي عبارة عن ظواهر اجتماعية اصبحت تتفشى في المجتمع ونحن نحاول ان نقنع انفسنا بعدم وجودها.
بالنهاية هنالك برامج اخرى تناقش مواضيع عديدة لمن يرى بان البرنامج يتطرق لمواضيع حساسة، البرنامج لا يفرض المشاركة فيه او حتى الاستماع اليه.
كنت اود الاتصال والمشاركة في موضوع الخوف، ولكن اصبحت الاتصالات من بعد اتصال الاخت بثينة عبارة عن مهاجمة للبرنامج وكانهم كانوا بانتظار ان تفتح الطريق ويبدأ الجميع بالنقد، وياريت لو بالنقد بالفاظ غير جارحة ومؤذية، ولكن هنالك من لا يعرف شيء عن الحوار وأدب الحوار.
فاخترت الكتابة على المدونة.
طبعا بعرف كتبت اكتر من مدونتك نفسها ولكن هذه هي المساحة الوحيدة التي استطيع فيها التعبير عن رأيي.
وشكرا على البرنامج الجميل.
احكي عن الطبيخ المرة الجاي بلكي بيعجبهم. بتعرف هذا موضوع مهم وبفيد المجتمع والبشرية للتقدم والازدهار.

عروبة | 31/07/2008, 18:51 [ الرد ]

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba