أسوار...!
31 كانون اول, 2008

"الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا."...

في الشتاء تقل حركتي، أصبح بيتوتيا أكثر، أعود إلى بيتي باكرا. وفي ليالي الشتاء تنتابني نوبات هوس بالقراءة...

استمتع بدفء البيت وأنا اقرأ في كتبي بجانب الصوبا أو تحت الأغطية الثقيلة.

أمس نزلت إلى وسط البلد، كان عندي موعدا، لكني مررت كعادتي بالمكتبة واشتريت رواية المصري محمد البساطي "أسوار". في الواقع كنت ابحث عن روايته "جوع" لكني لم أجد نسخا منها فاشتريت أسواره.

بعد موعدي عدت إلى البيت. وبدأت بقراءة الرواية، وأنجزتها على سحبه وحده، فهي قصيرة، 168 صفحة من القطع الصغير وصادرة لدى دار الآداب ببيروت هذا العام الذي أعيش يومه الأخير الآن..

بعد أن انتهيت من قراءة الرواية، بدأت بقراءة بحث أو دراسة المحلل النفساني الألماني اريك فروم " صورة الإنسان المغترب في التحليل النفسي – الجديد"، نمت وأنا اقرأ في الدراسة واستيقظت على الرابعة فجرا على صوت الغراب الذي يحط صباح كل يوم على شجرة السرو المقابلة لنافذة غرفتي...

لا ادري ما إذا كانت خياراتي في القراءة غير عشوائية، رغم إنني اعتقد أنها كذلك، أم ان الصدف التي تجعل من هذه القراءات تصب في جدول واحد.

ما كان ممكنا، مثلا، إن "استوعب" بعض رموز رواية هاروكي موراكامي " كافكا على الشاطئ"، واستمتع بها لولا إنني قرأت، صدفة، كتاب إشكاليات المجتمع العربي المعاصر من منظور التحليل النفسي".

تبدو رواية البساطي بسيطة جدا. أنها من نوع الأدب "الشعبي" إن جاز ليّ التعبير. اقل تعقيدا حتى من رواية "عمارة يعقوبيان" لعلاء الأسواني.

لكن، قد يكون هذا حكما "ظالما" على الرواية، أو هو قد يكون كذلك في مستوى السرد واللغة العامية الشعبية والبسيطة جدا التي يستخدمها البساطي وفي مستوى الأحداث الظاهرة والمبرقشة.

أما على مستوى آخر من النص. مستوى "الخافية" او "اللاوعي" فان نص البساطي يبدو أكثر تعقيدا بكثير.

يسرد أحداث الرواية حارس سجن، نكرة لا يطلعنا على اسمه، توارث المهنة عن أبيه ككل حراس السجن. يروي الحارس تفاصيل ما يجري داخل السجن بحيادية تامة.

وينتقل الحارس إلى المعتقل. والفرق أن الأول، السجن حيث يوجد المساجين لأسباب جرمية، أما المعتقل فهو للمعتقلين السياسيين.

قد تكون رواية البساطي، رواية تندرج ضمن أدب السجون والمعتقلات، لكن الحال ليس كذلك فاسم الرواية لوحده يؤسس أسوارا: السجن، المعتقل، بيت الحارس، بلوكات بيوت الحراس والضباط، المجتمع، النظام، الأخلاق الأعراف التقاليد أو بمعنى آخر الثقافة السائدة...الخ.

في السرد يصور البساطي على لسان "بطله" ما يجري في السجون والمعتقلات. يظهر الفرق بين تعامل الضباط والأمن والنظام بين السجين المجرم والمعتقل السياسي بسبب رأيه، واعتقد أن كل عربي يدرك أن السجين تتم معاملته معاملة خمس نجوم مقابل المعتقل. لكن أحداث الرواية تكشف خفايا كثيرة أيضا بسرد ممتع.

بدون أن احمل رواية البساطي أكثر مما تحتمل، إلا إنني اعتقد أن فيها أسرار مخفية، أسرارا تقبع خلف الأسوار، تختفي أكثر مما تتبدى.

لماذا ترك البساطي "بطله" نكرة، محايد في القص، ومحايد في الحياة، مربي حمام. لماذا انتهى كل حراس السجن إلى الجنون والنكوص إلى الطبيعة. لماذا تبدو كل شخصيات الرواية الرئيسية، أو شخصية البطل على الأقل، مشوهة وسلبية.

شخصية بطل البساطي تعيش حالة من "الموات الداخلي"، لا تستمع بشيء سوى تربية الحمام. تؤدي وظيفتها بدون أي حماس ولا أي متعة وكذلك حياته العائلية مع زوجته وابنه. انه إنسان لا يعيش الحياة إنما يعيش من خلالها.

انه باختصار إنسان مغترب لأنه محاصر بأسوار كثيرة أولها القمع والخوف. لكن "الاغتراب" ليس محصورا في بطل البساطي "النكرة"، انه مرض العصر، كما يقول اريك فروم في دراسته، المغترب ليس مريضا :"بالمعنى العادي للكلمة لكنهم يعانون من "مرض العصر" أو التوعك، أو الموات الداخلي. وهؤلاء المرضى الجدد يأتون إلى المحلل النفساني دون أن يعرفوا ما الذي يعانون منه حقًا. إنهم يشكون من الهمود، أو الأرق، أو التعاسة في الزواج، أو انعدام المتعة في العمل، أو غير ذلك من الاضطرابات الكثيرة الأخرى..."، لكنهم في الحقيقة أناس لم يلتق عندهم "الهو بالأنا"، وتغيب كينونتهم الحقة، وهي مبدئيا، بالنسبة لفروم: "انسجام الإنسان مع طبيعته".

يقوم كل مبحث فروم على دراسة "الإنسان المغترب" انطلاقا من "التحليل النفسي"، ليصل الى "علاج خلاصي جماعي" لـ"مرض العصر" هذا.

رغم ان فروم بوصفه من مدرسة فرانكفورت النقدية الاجتماعية، التي جمعت بين الماركسية والتحليل النفسي الفرويدي، إلا انه ينطلق من كل منظومة فرويد في التحليل النفسي للإنسان المغترب، بل ويرفض فكرة كارل ماركس وفلاسفة العقلانية، عن الإنسان بوصفه كائنا اقتصاديا.

 في هذا السياق، يعتقد فروم ان فرويد، كان ينوي من خلال منظومته في التحليل النفسي البحث عن "خلاص" للإنسان وليس فقط عملية "مداواة مرض عقلي لشخص ما" وان كان فرويد نفسه لم يكن "واعيا" لهذا البحث الخلاصي.

ذلك ان فرويد كان يريد: تمكين العقل من السيطرة على الأهواء الواعية واللاواعية، بقدراته الذاتية، بمعنى آخر، معرفة الواقع، هذه المعرفة التي ستمكن الإنسان من الانسجام مع ذاته.

لكن هذا الأمر حاضر أيضا في العقلانية والتنوير أو هو هدفها الذي سعت إليه، وهي كذلك حاضرة في الفلسفة والدين.

لكن ما يميز فرويد عن العقلانية الأوروبية هو انه : جمع بينها وبين الرومانسية، أي بين العقل والعاطفة، مستفيدا، وان كان لا يدري من الفلسفة الشرقية وتحديدا بوذية الزن.

وهو كذلك، أي فرويد، رفض مبدأ المنفعة أو القيمة طالما ان الإنسان هو غاية الحياة. وفرويد أيضا افترق عن الفلسفة والدين لانه وضع منظومة علمية وليست طوباوية كما هو الحال في الدين والفلسفة.

لكن فروم لا يقبل بمفهوم "الليبيدو" أو "الغرائز الجنسية" كآلة تدبر الإنسان وكدافع وحيد له. ففروم المتأثر بماركس يقيم "للواقع الاجتماعي" وزنا كبيرا في التحليل النفسي وتحليل "جوهر الإنسان" ودوافعه"، بمعنى آخر فأنه :"ليس وعي البشر ما يحدد وجودهم وإنما وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم"، فالليبيدو إذن لا يكفي لتفسير الإنسان وسلوكه ودوافعه..الخ.

إذا كان فروم يقبل بمفاهيم التحليل النفسي الفرويدي الأساسية، كالهو والانا والانا الأعلى والانا الأدنى، والوعي واللاواعي إلا انه يفترق عن فرويد في إعطاء الواقع او الظروف الاجتماعية، المجتمع الثقافة السائدة اللغة الضمير الإنساني، الاسوار الاجتماعية، الوزن الأكبر في هذه المفاهيم، وبالأخص في مفهومي "الوعي واللاواعي".

لذلك فانه بالنسبية إلى فروم فان "خلاص الإنسان المغترب" لا يكون بمعرفة "الليبيدو" الفرويدي ولا بحكمة يونغ، أو وعي اللاواعي.

 وإذا كان انسجام الإنسان مع نفسه وخلاصه من الاغتراب بحسب فرويد :" حيثما يكون الهو ينبغي أن يكون الأنا.". فهذا اللقاء بين الهو والانا بالنسبة لفروم هو حضور "الكينونة الحقة" في الإنسان، وهذه تعني : تطور العقل تطورا كاملا. والعقل هنا ليس بمعنى الحكم الفكري المحض، بل بمعنى القبض على الحقيقة بـ"ترك الأشياء تكون" ما هي عليه (كما يقول هيدغر). والكينونة الحقة لا تكون ممكنة إلا بقدر ما يتغلب الإنسان على نرجسيته، وبقدر ما يكون منفتحًا، ومستجيبًا، وحساسًا، ويقظًا، وفارغًا (بالمعنى الذي لهذه الكلمة في بوذية زن).

والكينونة الحقة تعني الارتباط العاطفي التام بالإنسان والطبيعة، والتغلب على الانفصال والاغتراب، والتوصل إلى حالة من التوحُّد مع كل الموجودات، في الوقت الذي أختبر فيه ذاتي بوصفها كيانًا مستقلاً هو أنا الفرد. والكينونة الحقة تعني الولادة الكاملة، وأن يصير المرء ما تتيح له قدراته وإمكاناته أن يصير؛ وهي تعني امتلاك القدرة على الفرح والحزن، وتعني، بعبارة أخرى، الاستيقاظ من نصف النوم الذي يغُطّ فيه الإنسان العادي، أي الاستيقاظ الكامل. وإذا ما كانت الكينونة الحقة كل ذلك، فهي تعني أن أكون مبدعًا؛ أي أن أستجيب لذاتي، وللآخرين، ولكل ما في الوجود، أي أن يستجيب الإنسان الكلي، الواقعي، الذي هو أنا لكل شخص وكل شيء على النحو الذي هو عليه. أما الإبداع فيكمن في فعل الاستجابة الصحيحة هذا في رؤية العالم كما هو واختباره بوصفه عالَميْ، العالم الذي أبدَعه وغيَّره فهمي المبدع له، بحيث يكفّ عن كونه عالمًا غريبًا "خارجيًا" ويصبح عالمي. وتعني الكينونة الحقة أخيرًا إسقاط الأنا، والتخلي عن الطمع، والتوقف عن الجري وراء الحفاظ على الأنا وتضخيمه، وأن أكون ذاتي وأختبرها في فعل الكينونة، لا أن أتملك، وأحافظ، وأطمع، واستعمل.". يعني تحطيم الاسوار باختصار....

بقي ان اقول ان فروم بعكس الماركسية لا يرى في الدين "قلب عالم بلا قلب"، بل ان الدين عند فروم هو ضرورة لخلاص الانسان من الاغتراب لان :" الدين هو الإجابة المصوغة والرصينة عن سؤال وجود الإنسان، ولأنَّ من الممكن التشارك به في الوعي ومن خلال الشعيرة مع آخرين، فإن من الممكن حتى للأديان الدنيا أن تخلق شعورًا بالمعقولية والأمن لمجرد المشاركة مع آخرين".

أخيرا، قد أكون بالغت، أو حمّلت رواية البساطي أكثر مما تحتمل لكنها في النهاية قرأتني للنص وتأويلي الخاص به، وقد تكون "خافيتي" أو " لاوعي" هي من أملى علي هذه القراءة، لكن أليس النص ملكا للقارئ أولا وأخيرا وله وحده يعود تأويله... 

العبارة في أول التدوينة :" الناس نيام، فاذا ماتوا انتبهوا"، ينسبها البعض للرسول الكريم والبعض الاخر للامام علي بن ابي طالب. والفكرة من وراء العبارة بالنسبة ليّ واضحة في تفسير فروم للكينونة الحقة ودور الدين في خلاص الفرد من الاغتراب...

تعليقات

Comment Icon

نعم النص ملكا للقارئ. يقول ماركيز (القارئ حر في تأويل النص، وعلى المؤلف أن يموت (أو يصمت) بعد كتابة النص، وإذا كان لا يزال على قيد الحياة، فلا يرد على تأويل إلا إذا بدا له اعتباطا أو متناقضاً منطقياً مع النص).
وانت تقرأ الكتاب أو الرواية وتحللها وتربطها بفلسفة معينة وبطريقة أعتقد ليس من السهل على اي قارئ ان يكون لديه هذه الطريقة الفريدة في القراءة.
كل عام وانت بألف وننتظر مدونة السنة الجاي. بتمنى تواصل كتاباتك ونجاحك وتميزك وان تفاجئنا بأمور اخرى بالاضافة الى المدونة الرائعة التي انتظر قارئتها بفارغ الصبر.
دمت..

عروبة | 31/12/2008, 17:57 [ الرد ]

Comment Icon

بس حتى اقول لك نشالله عام 2009 يحملك الكثير من الفاجآت السارة يا ممتع انت
كل عام وانت بخير

هي | 01/01/2009, 00:58 [ الرد ]

Comment Icon

صباح الخير
كل عام وانتم بألف خير. واتمنى لكم عاما جديدا سعيدا.
واشكركم بشدة.

محمد عمر | 01/01/2009, 08:30 [ الرد ]

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba