أساطير سياسية...!
28 حزيران, 2010
ماذا لو اني بعد ان امتد بي العمر خمسين عاما، شكلت نصف قرن من التحولات الجذرية في كل مناحي الحياة، ماذا لو اكتشفت بعد هذه السنين انك كنت تعيش في أساطير...؟
الواقع، أنا أتحدث هنا عن "الأفكار السياسية الكبرى" التي عشناها، ودفعنا لأجلها ثمنا باهظاً لنكتشف بعد مرور السنين انها كانت محض "أساطير" لا أكثر ولا اقل.

الأسطورة هنا لا تعني الخرافة، اي انها ليست من نسج خيال محض، بل "هالة ملحمية مبنية حول عنصر من عناصر الماضي لانارة الحاضر ولتعبئة القوى برسم المستقبل".

والعالم، والحال هذه، يعيش مئات "الاساطير السياسية"، وعندنا نحن العرب عددا من هذه الاساطير التي كنا نعتقد انها "افكارا سياسية كبرى"، ثم اتت التطورات والاحداث لتهدمها واحدة واحدة.

في احد فصول كتابه "هرطقات عن الديمقراطية والعلمانية والحداثة والممانعة العربية"، يستعرض جورج طرابيشي بطريقة نقدية كتاب "المستشرق" الإسرائيلي عمانويل سيفان "أساطير سياسية عربية".

ينقل طرابيشي عن سيفان ان العالم العربي شهد خلال السنوات الاخيرة، لا سيما بعد حرب الخليج الثانية نهاية ثلاث اساطير سياسية:

اولها: نهاية حلم الوحدة العربية، هذا الحلم الذي تبناه جمال عبدالناصر ومن بعده بعض الزعماء العرب امثال معمر القذافي، او صدام حسين.

كان حلماً ابتنى على نموذج القائد البروسي/الالماني بسمارك، او القائد الايطالي غاريباليدي: توفر الاقليم المركز والقائد القوي.

هذا الحلم، او الاسطورة انتهت مرة بعد مأساة حرب 1967 ومرة اخرى مكررة كمهزلة بعد حرب الخليج 1991، ولم يعد اي قطر عربي او قائد عربي يتنطح للعب دور بسمارك.

ثاني الاساطير: الحدود المصطنعة:
دأب القوميون العرب على شتم الدولة القطرية العربية، وارجاع حدودها الحالية  الى المؤامرة الاستعمارية اتفاقيات "سايكس بيكو" و "سان ريمو" وغيرها من الاتفاقيات التي "صنعت" الحدود بين الدول العربية القائمة الان، خاصة في المشرق.

وعليه فقد قر في ذهن القوميين العرب ان هذه الحدود زائلة، وعاجزة عن بلورة "هويات وطنية"، وايلة للسقوط في اي لحظة تضغط فيها الجماهير على الحكام او ينتصب قائد "عربي بسماركي" فيزيلها.

وقد حدث ان غزا صدام حسين الكويت، وصحيح ان الجماهير العربية صفقت له بدافع الأسطورة البسماركية، الا ان المفاجأة كانت انه لم يجد كويتيا واحدا يقف الى جانب الغزو، بل اكتشف مجتمعاً كويتيا، وهوية وطنية راسخة وقفت بالضد من صدام ومن أسطورة الوحدة العربية البسماركية والقائد الكاريزمي.

وهكذا سقطت اسطورة الحدود المصطنعة، لنكتشف ان الدول القطرية والهويات الوطنية وحدود سايكس بيكو المصطنعة اثبت وابقى...

اما الاسطورة الثالثة التي هدمتها التطورات، او هدمها معول "المستشرق سيفان" فهي "المصالح المشتركة".
بعد ان تخلى العرب عن احلامهم "الرومانسية" في تحقيق حلم الوحدة العربية على طريقة بسمارك وغاريبالدي، وبعد ان اكتشفوا ثبات الحدود المصطنعة مع مرور الوقت، خرجوا باسطورة جديدة تقضي بـ"وحدة عربية" قائمة على اساس تبادل المصالح والمنفعة.

بالمناسبة، كان الاردن من أوائل الدول العربية التي دعمت، او قدمت مشروعا لإصلاح الجامعة العربية، قائم على أساس المصلحة المشتركة.

اليوم الاثنين يجتمع خمسة قادة عرب في طرابلس/ ليبيا لإصلاح نظام الجامعة،

على اي حال، عززت حرب 1973 والمقاطعة النفطية العربية للغرب هذه النظرة "العقلانية" للوحدة العربية، اي المصالح المشتركة، لكن عقد الثمانينات جاء مكذبا لعقد السبعينات، والدول النفطية العربية التي حققت فوائض مالية كبرى فضلت استثمارها في الدول الغربية.

واقام العرب أنظمة اقتصادية متشابه، أي متضاربة، غير قابلة للتكامل، يعني كلنا بدنا نصير "نموذج دبي" فكيف ممكن نتكامل.

المهم هذا "التشابك" في الاقتصاد ولد التضارب وليس التكامل فليس عند اي دولة عربية ما تقدمه للاخرى، والعمالة البينية الوافدة لم تكن تكفي لبناء أي مصلحة مشتركة، هذا ان لم تولد مشاعر "وطنية عنصرية" في كل دولة عربية على حدة لأسباب كثيرة أولها التنافس وثانيها الخلافات السياسية والفوارق الثقافية والهويات الوطنية.

خلصنا من هذه الاساطير الثلاث، او خلصنا منها الإسرائيلي سيفان...

لكن بقيت مشكلة اخرى، هي ان "ما بعد الحداثيين" هدموا لنا أساطير جديدة.

من بين الأساطير الجديدة التي يتم هدمها الآن "الدولة" و "المواطنة" و"الهوية الوطنية".

تأسس "مفهوم الدولة" في العالم العربي على مجريات تأسيسها في الغرب، لكننا قمنا بـ"أسطرتها"بعناصر ماضوية، عندما حاولنا "تعريبها" او "أسلمتها" او "فرعنتها" او "افنقتها" او "انبطتها" او "حرثنتها" او "كنعنتها"...الخ

الان، لا يكفي ان الدولة / الأمة كما قامت في الغرب "النموذج" بدأت تتغير وتتبدل بعد "العولمة"، فالدول العربية، عجزت اصلا عن ان تكون دولة /أمة، ودهمتها العولمة والأزمات الاقتصادية، والحروب البينية والغيرية، وغياب الديمقراطية، وسيادة الاستبداد والقمع والفقر وسوء توزيع الثروة والفساد فانفجرت الدول العربية وبدأت بالتصدع، وصار أفضلها يقترب كثيرا من التصنيف العالمي للدول الاكثر فشلا.

اما الهوية الوطنية الجامعة فقد تفتت بأسوأ مما تفتت سرب حمام بعد حرب حزيران، ونهضت الهويات الفرعية ولم يعد ينفع في ضبط هذه الهويات، ولا اعادة "اللحمة" للهوية الوطنية لا حرب كرة قدم بين الجزائر ومصر ولا أغاني عمر العبداللات او متعب الصقار.

المشكلة ان "الهوية الوطنية" لم تعد "اسطورة" وحسب، بل يحاول البعض تغذيتها بعناصر "خرافية"، من مثل "اختراع" المكان ليناسب التاريخ، او اختراع سرديات تاريخية مزورة وبعيدة عن الواقع...
 
او كما يقول المفكر غسان سلامة عن ما يجري الان في عدد من الدول من عملية "اعادة صياغة الهوية" بانها:" عملية لا تخلو من قدر لا بأس به من التلاعب بالمعطيات التاريخية والثقافية، ناهيك عن الرغبات الدفينة بفرض رأي البعض على العموم.
فإذا كان الهدف بالأساس ظرفياً وسياسياً، فعليك أن تتوقع من أي نخبة حاكمة في أي بلدٍ كان، توظيفاً منهجياً للتاريخ وللتراث وللغة والفنون ولغير ذلك، من دون كبير اكتراث بصحة الادعاء أو صدق الرواية.
هكذا يعاد اختراع التراث كما يقول هوبسباوم، وهكذا تعاد كتابة التاريخ ممن لا صفة له بالأساس لادعاء تدوينه.
....  كل سلطة في العالم أعرفها أو أعرف عنها لم تتوانَ يوماً عن توظيف الثقافة بهدف اعادة تركيب الهوية الوطنية لأهداف سياسية طارئة، وكل سلطة في العالم، أعرفها أو أعرف عنها، تدرك ان صياغة الهوية الوطنية اداة من أدوات الحكم والتسلط، كما نرى اليوم في العراق أو السودان أو المغرب الكبير".

أما "المواطنة" فالحمدلله إننا لم نحققها أصلا حتى لا نصاب بخيبة امل عندما نراها او نرى من يقول لنا انها كانت محض "أسطورة"...

تعليقات

Comment Icon

ما يحدث له وجهان..صحيح ان هناك ولادة لهويات فرعية لكن هذا يدلل على انه كان هناك هويات جامعة على على الاقل على المستوى الشعبي، الان تجري المحاولات من خارج الدول العربية لتفتيت هذه الهويات الى اخرى فرعية في بعض الدول، او الى لا شيء كما يحصل في الاردن..

في مصر اقترب الاقباط من ان يشكلو هوية و في العراق الاكراد هوية و التركمان هوية مقابلة لها و العرب مقابلة للاثنتين و السنة مقابلة للشيعة..ربما ساعد التنوع العراقي على صقل تلك الهويات و وضعها مقابل بعضها تناحريا..

في الاردن مثلا يبدو الامر مختلفا..فالخارج و وكلاؤه في الداخل يعملون على الغاء الهوية الاردنية التي هي بالمحصلة عربية اسلامية الى حد ما و تحويل الناس الى سكان و دافعي ضرائب في مجتمع جباية امنية اي سلطة ناس بلا اي جامع سوى دف الضرائب..

هوياتي | 28/06/2010, 16:03 [ الرد ]

Comment Icon

why my comments have been removed? it has been removed from two posts?!

Dr.Mohammed | 29/06/2010, 00:12 [ الرد ]

Comment Icon

اسف جدا. حدث خلل تقني شطب التعليقات الاخيرة.
تحياتي

محمد عمر | 29/06/2010, 10:15 [ الرد ]

Comment Icon

مرحبا نحيطكم علما انه تم نقل نسخة عن هذه التدوينة لقسم مدونات ومدونون
http://www.amarta-sy.com//showthread.php?t=848
تحيا ادارة امارتا
وشكرا

amarta | 29/06/2010, 10:40 [ الرد ]

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba