حماقة العزف المنفرد على الكونتراباص...!
01 تموز, 2010
قليلة هي المرات التي اخرج فيها عن عزلتي التي اخترتها لنفسي. وامس خرقت هذه العزلة وذهبت مع صديق ليّ الى مطعم "ابو احمد" في وسط البلد...

قررت ان اختبر قدرتي، التي كنت اعتقد انني لا زلت امتلكها في شرب العرق. طلبنا نصية "عرق حداد الذهبي" لكننا لما نكملها، وقد شعرت بالنعاس الشديد بعد الكاس الثانية، ومع الكاس الثالثة كدت انام على الطاولة.

اكتشفت اموراً،

الامر الاول ان المشروب صار بالنسبة ليّ بمثابة دواء للنوم، رغم انني لا أعاني من مشاكل أو اضطرابات في النوم منذ أكثر من عام. أنام طويلا عندما أريد، ولا استيقظ ليلا، كوابيسي صارت متباعدة واقل رعباً.

هكذا، لم يعد للعرق عندي غاية تبرر استعماله، فهو لم ينوجد، أصلا، لمساعدة الإنسان المثقل بالهموم على النوم، وانا لست مثقلا بها، ربما انوجد العرق لمساعدة الانسان المهموم على النسيان، وانا ليس عندي ما انا بحاجة لنسيانه، فالماضي الذي كان ذهب، وهو على كل حال لم يكن ماضيا مؤلماً، وواقع الحال الآن ليس فيه ما ينغص عيشي الكريم، وان كان لا يزال فيه من الماضي شيئا كأشياء حتى.

اما الامر الثاني، فهو عدم جدوى الخروج من العزلة.

الصحيح ان مكتبنا الجديد لم يعد يساعد على الكتابة مطلقا، لا استطيع التركيز ابدا،،

المهم،،
قبل خروجي امس من عزلتي، ومشاركتي في نشاط، ثم ذهابي الى وسط البلد، كنت اقرأ في مسرحية "الكونتراباص" للكاتب الالماني باتريك زوسكند صاحب روايات "العطر" و "الحمامة"، وهو كاتب غريب جدا منعزل جدا، بعيد عن الأضواء، لا يحب وسائل الإعلام، ولا احد يعرف عنوانا له، بما في ذلك ناشري كتبه مع انه يعتبر احد أهم كتاب ألمانيا في العصر الحديث.
زوسكند ليس منعزلا عن الناس وحسب، بل ان جميع أعماله: العطر، الحمامة و الكونتراباص ثيمتها الاساسية العزلة.
في الكونتراباص يختار زوسكند عازف كونتراباص يعيش مع آلته منعزلا في بيته المعزول بوسائل عازلة تقيه شر الأصوات الخارجية، او بمعنى اخر شر "الآخرون" باعتبارهم الجحيم.

الفكرة في "مونودراما" زوسكند هذه ان العازف يتماهى مع آلته، فآلة الكونتراباص هي اغرب آلة موسيقية، هي آلة لا يمكن الاستغناء عنها في إي عزف اوركسترالي، أصواتها عميقة وهي الوحيدة بين الآلات التي تستطيع النزول إلى أسفل درجات السلم الموسيقي عمق قرار الـ"مي"، ومع ذلك هي آلة يتم تجاهلها باستمرار فلم يحصل ان قام اي مؤلف موسيقي بتأليف اي قطعة للعزف المنفرد على الكونتراباص، وهي ايضا الة توضع عادة في الصفوف الخلفية في الاوركسترا، الصف السادس أو السابع.

وهي الة مرهقة للعازف، خلال العزف وخلال التنقل، وهي ايضا آلة قبيحة المنظر يصفها العازف كما لو كانت جسد امراة طاعنة في السن مترهل ومنفوخ من الإرداف ونحيف من الأعلى.

على كل، يقدم زوسكند في المسرحية معلومات ضافية عن الة وعن الموسيقى وتطورها.
المهم،،
الكونتراباص، مثل عازفها، او مثل الشخص المنعزل، والمسرحية إجمالا وان كانت تبدو "مونودراما" إلا انها مسرحية تضم شخصيتان، العازف والته، التي يحبها ويكرهها.

الكونتراباص: صوت مختلف، عميق، جزء لا غنى عنه في المجموعة ومع ذلك معزول، عازفها يقف في الصفوف الخلفية في ترتيب الاوركسترا الذي لا يختلف عن المجتمع البشري، وعندما تقف الاوركسترا لتنحني لتصفيق السميعة لا يستطيع عازف الكونتراباص الوقوف ويبقى مجهولا دون تكريم.

الكونتراباص ضمن الاوركسترا دائما لا تتيح لعازفها اي تفرد اي فردية، بالأكثر يستطيع ان يكون عازف موسيقى حجرة ضمن مجموعة من ثمان عازفين لكنه لا يستطيع ان يكون فردا ابداً...

عازف زوسكند، يحب ويكره آلته في آن، مثل شخص واقع في علاقة غرامية تعيسة، علاقة عصية على الاستواء وعصية على البتر، علاقة مريضة على طريقة 
I hate you , don’t leave me،
اختار العازف هذه الآلة للانتقام من أبيه وأمه، من أبيه لأنه لم يكن يريد ان يكون موظفا كما كان والده، لكنه انتهى عازفا في اوركسترا الدولة، اي موظف.
 
وانتقاما من أمه لأنها كانت تريده ان يكون عازفا على الة الفلوت، ولانها لم تكن تهتم به وبرغباته، وهو كما يقول يشعر بأنه كلما عزف على الآلة كما لو كان "يغتصب" امه وينتقم منها.

عازف الكونتراباص هنا يحب ويكره عزلتة، يحاول الخروج منها، يحاول إقامة علاقة حب مع مغنية الاوركسترا "سارة" لكنه لا يستطيع.

العازف هنا هو زوسكند نفسه، المعزول تماما عن الناس، وهو الصوت المختلف، الذي يرفض ان ينخرط في حياة جماعية وهو منخرط في اوركسترا عزف جماعي رغما عنه، ولو خرج عن الاوركسترا سيبدو العزف المنفرد نشازا كما هو حال الالة المضطهدة، وهي يقول في جملة في المسرحية:"العزف المنفرد على الكونتراباص حماقة كبرى".

كلما قرأت زوسكند أحببت عزلتي واحببت لو لم اخرقها لأجل إي شيء، على الاطلاق حتى لو كانت "سارة" أو ما غيرها...

تعليقات

Comment Icon

حلو كتير

ززززززز | 01/07/2010, 14:53 [ الرد ]

Comment Icon

Very impressive good post Mohammad

maha | 01/07/2010, 21:37 [ الرد ]

Comment Icon

سوف تخرق عزلتك من اجل فتحية مش سارة ! اراهنك على ذلك

تحية لك

زيزو | 02/07/2010, 00:42 [ الرد ]

Comment Icon

تحصل لي كثيراً. ينتزعني أحد من وحدتي التي اخترتها، ولكنني أختار الاستمتاع بهذا الاقتحام، للتغيير فقط، رغم أني أحب ما اخترت.
تحيتي لك

لمى | 18/07/2010, 16:04 [ الرد ]

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba