خلال عمري الذي امتد أكثر مما ينبغي، ليس قياسا بالسنوات بل بحجم المتغيرات التي عشتها، خلال هذه الأعوام لاحظت ان العالم العربي ينشغل كل عقد، تقريبا، بـ"قضية" فكرية/سياسية كبرى...
واقصد بالانشغال هذا، هو انشغال "نخبة مفكريه ومبدعيه"، فمرة ينشغل بالتحرر من الاستعمار، واخرى بالتقدم و"التنمية المستدامة"، وثالثة بالدولة القومية والوحدة والدولة القطرية، ورابعة بالديمقراطية والإصلاح والمواطنة، وأخيرا "الهوية الوطنية" أو البحث عن الذات. بعد "اختلال العالم"، كما يحب ان يراه امين معلوف...
يكفي تتبع إصدارات مركز دراسات الوحدة العربية لمعرفة هذه الانشغالات الفكرية.
غير ان هذه "النقاشات" كانت تعكس نفسها في الأدب أيضا وتحديدا في الرواية العربية.
امس انتهيت من قراءة رواية المصري محمد المنسي قنديل، يوم غائم في البر الغربي، وهي رواية تاريخية، من النمط الذي شاع خلال العقدين الاخيرين، او العقد الاخير تحديدا، في الرواية العربية.
تخيلت وانا اقرأ الرواية ان قنديل يحاكي رواية امين معلوف "ليون الافريقي"، وهما بالمناسبة من روايات "البحث عن هوية، من وجهة نظري.".
معلوف يأخذ "حسن الوزان" الغرناطي في جولة تبدأ من غرناطة وبعد سقوطها ويعيده الى روما.
وقنديل يأخذ شخصيته المتخيلة "عائشة" في جولة في البر الغربي، مصر، جنوبها ووسطها وشمالها، بحثا عن الذات.
"عائشة" قد تكون رمزا لمصر،عربية إسلامية مسيحية، تمتد جذورها الى "الفراعنة". مع جولة "عائشة" يؤرخ قنديل لمصر، ودائما في سياق "الاخر" وصورة المصري عند "الاخر"، الاستعمار ممثلا ببريطانيا واللورد كرومر، والحاكم التركي، والمنقبين عن الاثار وسارقيه من الغربيين...الخ.
لا تخلو رواية قنديل من عنصر "الأسطورة" واحيانا "الخرافة" مثل حضور "الذئب او الذئاب" او "أسطورة" الملك الفرعوني المتمرد "اخناتون" المتمرد على "تعدد الالهة"، هذه "الأسطورة" التي ان كان حضورها في مبنى الرواية لازمة لاضفاء "سحرية" اكثر على الواقع او على السرد الروائي. فهو لازمة ايضا كـ"أسطورة مؤسِسة للقومية" او "الرواية الوطنية"، فكل "هوية" يلزمها "اسطورة" وسردية وطنية قد تكون "مختلفة" وحتى "مختلقة" او "متخيلة".
المهم،،،
رواية قنديل وان كان وقعت في بعضها في اطالات مملة لا داعي لها، الا انها رواية شائقة تستحق القراءة. لانها ممتعة اغلب الاحيان ومفيدة معرفيا في اكثر الاحيان.
على اي حال، رواية قنديل تنضم الى "تيار الرواية التاريخية العربية" التي تحاول إعادة بناء "الهويات الوطنية" او التي "تبحث عن الذات" المفقودة منذ كان البدء...