يروي محمد امين غالب الطويل مؤلف كتاب "تاريخ العلويين"، سنة 1924، انه عندما عرض مبعوث الخليفة عمر بن الخطاب (جثامة الكناني) على الأمير جبلة بن الايهم العودة إلى سورية، رد هذا الأخير "عار ان نعود"...
ويقول الطويل، في روايته التي لم أتحقق منها، بأن هذه العبارة تم تحويرها فصارت "ارناووط" وهم من الألبان الذين يدينون بالإسلام.
والامير، او القائد جبلة بن الايهم، كان مسيحيا من ملوك بني غسان، حاكما على سورية، وقد دخل في الاسلام عندما فتح خالد بن الوليد سورية ابان خلافة عمر بن الخطاب.
بعد إسلامه ذهب (جبلة) بقافلة مهيبة لأداء مناسك الحج، وخلال الطواف لطم أعربيا من بني "فزارة" لأنه داس طرف ثوبه، فقلع عينه.
وقد حكم الخليفة عمر بأن يفعل الإعرابي بـ"جبلة" ما فعل فيه، فيلطمه ويقلع عينه، عملا بـ:"العين بالعين والسن بالسن".
لكن "جبلة" رفض حكم الخليفة وفر مع أتباعه ليلا عائدا إلى قصبة بيلا أو قصبة "جبلة" حاليا في سورية، وهناك عاد مسيحيا.
غير أن الروايات تقول إن "جبلة" بقي مسلما في الخفاء مسيحيا في العلن خوفا على أمنه وشرفه من هيرقليس ملك الروم.
وينقل عن "جبلة" قوله شعرا: تنصرت الأشراف من أجل لطمة.. وما كان فيها لو صبرت ضرر
وعندما علم الخليفة عمر بهذا أرسل لـ جبلة رسوله جثامة الكناني لإعادته إلى الإسلام.
اشترط جبلة عدة شروط لعودته الى سورية والى الإسلام، فقد كان يقيم في القسطنطينية، وأردف شروطه بمقولته هذه "عار ان نعود".
بالمناسبة، فقد اكتسبت مدينة "جبلة" الساحلية السورية اسمها من هذا القائد الإشكالي، الذي تعود له فكرة "الباطنية"، كما يعتقد، واختلاط بعض الأفكار والأعياد المسيحية في فكر وممارسة الطائفة العلوية في سورية.
ويرى الطويل ان الحكم الذي قضى في الخليفة عمر على "جبلة" هو ما جعل اهل قصبة جبلة واتباع جبلة الامير، يبغضون الخليفة ويتحولون من يومها الى حزب معارض.
ما علينا.
على الرغم ان الطويل يذكر فكرة تحريف عبارة :"عار ان نعود" على هامش متن كتابة كفكرة جديرة بالاشارة فحسب. إلا ان الفكرة، فكرة "العودة" و "العود" استحوذت عليّ وأنا اقرأ الكتاب.
لطالما فكرت في بيت الشعر هذا الذي كتبه حافظ إبراهيم، وغنته أم كلثوم في "جددت حبك ليه": "أزاي أقولك كنا زمان والماضي كان في الغيب بكرة واللي إحنا فيه دلوقتي كمان حيفوت علينا ولا ندرى".
كأن إبراهيم هنا يتبنى مفهوما للزمان لا يقوم على فكرة (الآن)، وإنما على مفهوم نيتشه في "العَودْ الأبدي". لقد تم كل شيء بالضرورة وينبغي أن يعود ثانية.
يقول نيتشه: "أيها الإنسان! إنك، كالساعة الرملية، ستعود من جديد، وستذهب من جديد دائماً أبداً".
سأضع جانبا الذكرى الثالثة والستين للنكبة الفلسطينية، وحق العودة للاجئين الفلسطينيين.
وسأضع جانبا فكرة "عودة" اليهود إلى الأرض الموعودة..
وفكرة كيف تتحول "الضحية" الى "جلاد" تقتص ممن لا ذنب لهم في جلدها.
وعلى كل، هذه الأمور ليست بعيدة عن ما يجول في خاطري عن فكرة "العودة" و "العَودْ الابدي".
لكني هنا أحاول أن أتأمل في رواية "لها مرايا" للروائية السورية، العلوية المعارضة للنظام، سمر يزبك.
وهي رواية صدرت لدى دار الآداب العام الماضي.
تحاول يزبك، وهي من مواليد مدينة جبلة، أن تحفر في تاريخ الطائفة العلوية، ردا على الصمت على المذابح التي تعرضت لها هذه الطائفة والتشويه الذي لحق بها وبمعتقداتها، وهي في مقطع من الرواية تقول نقلا عن جد " ليلى"إحدى شخصيات الرواية: "لماذا لم يكتب عنا؟ ولماذا بعد مرور زمن طويل على موتنا المتلاحق بقينا صامتين؟ هل تجرأ أي كان على ذكر وتدوين ما حدث لنا؟".
وهي تتفق في ذلك مع مؤلف كتاب "تاريخ العلويين"، دون ذكره، إذ يقول :"لقد مضى على العلويين الف وثلاثماية سنة وهم ملازمون الصمت.وإخوانهم السنيون يتهمونهم.".
على إي حال، فان رواية يزبك هي التي أعادتني إلى كتاب الطويل، والى الإشارة الهامشية لفكرة "عار ان نعود".
ورواية يزبك تدعو القارئ إلى التأمل في معناها ومبناها.
تبدأ الرواية من لحظة وفاة الرئيس السوري السابق حافظ الأسد وتعود إليه، لا بل إن كل وقائع الرواية الممتدة على 294 صفحة تجري كلها في يوم واحد هو يوم وفاة الرئيس.
ورغم ان يزبك تحاول تجريب سرد حداثي، إلا أنها تقترب، إلى حد ما، من شكل السرد عند وليم فوكنر في "الصخب والعنف".
لا تحاول يزبك تأريخ الطائفة العلوية فحسب، بل إن سردها نفسه يكاد يقوم على "فلسفة" هذه الطائفة، وتحديدا على مفهوم "الزمان"، كما هو عند إخوان الصفا، الذين يشكلون الجذور المعرفية والفكرية للطائفة.
وهي في بعض صفحات الرواية تحاول ان تقدم إيضاحات لفكر الطائفة. كما وترفض وصفها كـ"فرقة باطنية"، عندما تفسر، مثلا، استخدام بعض الحروف، كتفسير الآية " كانتا رتقا ففتقناهما".
واستندت يزبك الى فكرة "التقمص" او "المجايلة"، ورغم ان هذه الفكرة بحد ذاتها موضوع جدل فيما إذا كانت من معتقدات الطائفة، الا انها فكرة تقوم في الأساس على مفهوم الزمان ليس بوصفه (الآن) وعلى مفهوم الأبدية والقيامة والآخرة.
والإنسان ما هو إلا روح تتقلب في أجساد، أو غبار، كما كان يقول جد ليلى:"نحن غبار تلبسنا قمصان الأرواح".
ويقول نيتشة في "هكذا تكلم زرادشت:"ألا ينبغي أن نكون جميعنا قد سبق وكنا ها هنا؟ - أوليس علينا أن نعود ونجري من جديد في هذا الشارع الآخر، في هذا الشارع الطويل المحزن؟ ألا ينبغي أن نعود إلى الأبد؟".
وعلى كل، إذا كان من "العار أن نعود"، وان يتكرر العود أبديا، وان نظلم أنفسنا ونظلم الآخرين، وهي فكرة مرعبة تثير في الإنسان الرعشة، على ما لاحظ ميلان كونديرا في "خفة الكائن"، فان المنقذ للإنسان هو العقل و العلم، والإرادة.
لذلك فان يزبك، التي ترفض ان يحكم العسكريين الشعب السوري بالقوة، وباسم الطائفة العلوية.
يقول الضابط المحقق ابن قرية "ليلى" وعشيقها لشقيقها "علي" السجين السياسي المعارض للسلطة:"انظر الآن لحالنا أين كنا وكيف صرنا"، فيرد علي :"أنتم تعرفون أنكم لا تحموننا بل تحتمون بنا".
وترفض يزبك ان يعيد أبناء طائفتها ما كان أوقع بهم من قتل ومجازر ببقية الناس. وإذ هم ظلموا واتهموا بالزندقة "هم الآن يظلمون أنفسهم".
وحتى لا تستمر الحكاية، وحتى لا نبقى نعود، ليعود الظلم، فلا بد من العلم والعقل، من العودة إلى "فلسفة" الطائفة، التي تقبل بالآخر، بما هي فلسفة قائمة على العقل.
هذه الطائفة التي تشوهت بفعل السلطة والعامة والدهماء واختلاط العادات والتقاليد، تقول ليلى على لسان جدها:" الحقيقي منا لا يحلم بسلطة" ، "الحقيقي منا منذور للفكر والعقل والعدل".
اذا "كان من العار ان نعود" ذلك لان عودتنا لا يجب أن تكون على حساب ظلم الاخرين وظلم انفسنا...!
لا انكر انني افتقدتك ولا انكر انك تحترم قراء مدونتك ولا انكر انك ذكي وتكتب عن اوجاع الناس الحقيقية واحلامهم وخيباتهم الكثيرة اكتب هواجسي مباشرة بعد قراءة جريدةالدستور الاردنية شعرت بالغثيان من هواة وقاصرين يفردوا لهم عمود صحفي والاجدر ان يكتبو على ورق اكياس الاسمنت باستثناء خيري منصور ويوسف غيشان فهم كتاب اعمدة عمالقة . نعود لك ياابو الحبيبان ومدونتك ورؤيتك للموضوع السوري من خلال العودة لزمن عمر بن الخطاب وانسحاب الفئة الحاكمة من الحكم والعودة للتاملات النفسية والايمانية والفلسفية لانه لا دور سياسي لهم والاوضاع ما بتتحمل السؤال هل تستطيع يا ابو العمامير ان تجد لكل حاكم عربي مصوغات تاريخية من الادب الدسم او ان تعثر على روايات توصلك لمبررات ان عليهم جميعا جميعا جميعا ان يرحلو . بالمناسبة رواية محمد شكري -الشطار -بشخوصها المدمنين واللوطين والمومسات والمجانين والمتدينين الزائفين اكثر حكمة من اصحاب الحكم
غسان | 16/05/2011, 09:39 [ الرد ]