الطاغية العربي...!
20 ايار, 2011
من يومين وصلني كتاب "السيطرة الغامضة"، للباحثة الأميركية ليزا اودين، وهو صادر لدى دار الريس، ويتناول فترة حكم الرئيس السوري حافظ الاسد.
يحاول الكتاب البحث في ظاهرة "عبادة الفرد" او "تقديس الأسد" Cult of Assad  . والكتاب هو أطروحة دكتوراة في الاصل للباحثة التي قضت وقتا طويلا في سوريا تبحث في هذه الظاهرة .

طبعا لن اكتب عن هذا الكتاب الآن لأنني لم انتهي منه بعد، اذ لا ازال في مقدمة المترجم.
لكن ما لفت نظري هو التالي:

بعد اندلاع الثورات العربية لاحظت كم هو حجم الغضب، ان لم اقل الكراهية التي تكنها الشعوب للحكام العرب.

وصار الأمر واضحا وجليا بأننا نحكم من قبل "طواغيت"، "ديكتاتوريين" لا يقلوا بشيء عن نظرائهم في دول العالم الاخرى التي حكمت من قبل ديكتاتوريات فردية كما كان الحال في أميركا اللاتينية أو أفريقيا وبعض دول آسيا.

لكن الغريب في الأمر أن هؤلاء الطواغيت لم يحظوا من قبل باي دراسة او كتاب او رواية تبحث في "الطاغية"، وخاصة في الأدب.
في العقود الأخيرة صدرت الاف الروايات العربية التي تتناول الواقع العربي. وعرفنا ايضا عشرات الروايات العربية التي تتناول السجون العربية، وهي كثيرة بالمناسبة.

اعتقد ان الكتاب العربي الوحيد في شخصية الديكتاتور هي دراسة امام عبدالفتاح، الفلسفية، في كتابه "الطاغية"، لكن لم اعثر على رواية واحدة تناولت شخصية الديكتاتور.

عرف أدب أميركا اللاتينية، مثلا، ما وصف برواية "الديكتاتور"، وقد اشتهر عندنا منها روايات مثل : خريف البطريرك، لماركيز. السيد الرئيس لميغيل انخل استورياس. حفلة التيس لماريو فراغاس يوسا. لكن هناك روايات اخرى لم تترجم للعربية بعد.

من يقرأ هذه الروايات سوف يرى التشابه الكبير جدا بين طواغيتنا وطواغيت أميركا اللاتينية. وربما لن يحتاج الروائي العربي للواقعية السحرية لينتج رواية الديكتاتور، فالواقع عندنا أكثر سحرية، أكثر فنتازيا، من عندهم.

تخيل، مثلا، ظواهر مثل: تقديس الفرد، أو، حجم الفساد، حجم الأموال المنهوبة، طريقة نهب هذه الأموال، هذه الأمور عندنا اكبر كثيرا مما كانت عند طواغيت أميركا اللاتينية.

طيب

إذا كان الأمر كذلك، وهو كذلك، فما السبب الذي جعلنا "عاجزين" عن إنتاج رواية الديكتاتور. أو لماذا يحظى الزعيم عندنا بالتبجيل والتقديس وعبادة الفرد، ولماذا تتوقف معارضتنا، في اغلب الأحيان، عند شخص الزعيم.

أتصور أن السبب يكمن في الفرق بين الوضع عندنا والوضع عند غيرنا، على كل التشابه.

يمتاز "طواغيت" العرب، خاصة الجيل الأول منهم، عن غيرهم في أنهم:

سوقوا أنفسهم للشعوب العربية على أنهم أصحاب "رسالات". وحاولوا جميعا إضفاء "الشرعية" على حكمهم من خلال "الرسالة" لا من خلال الانجاز.

واتفق الطواغيت هؤلاء على مسألتين: القومية العربية، وتحرير فلسطين، وخاصة القدس، ولاحقا "الغزو الفارسي" أو الإيراني. لذلك فقد ظهروا وكأنهم "مخلصون" أو "محررون" أو "موحدون" أكثر مما هم طواغيت، أو حكام عسكريين كحال نظرائهم في أميركا اللاتينية أو آسيا.

اظهر اغلب هؤلاء أنفسهم وكأنهم "بناة" الهوية والشخصية، سواء كانت قومية أم قطرية.
وكذلك بناة أوطان ودول.
اعتقد أن العامل الثقافي ساعد الطواغيت العرب في تثبيت مكانتهم، أو في إضفاء نوع من القداسة والتبجيل والعبادة لشخصه، واشاعة الطاعة وطقوسها.

عمد كل الطغاة العرب، وكلهم كذلك، على تدمير ممنهج للمجتمعات العربية: تدمير الطبقة الوسطى، تفتيت الوحدة الوطنية للمجتمعات، إشاعة ثقافة الخوف.

وكذلك عمل هؤلاء على تصحير الحياة السياسية، وخنق المجال العام، من خلال إبعاد الناس عن السياسة وملاحقة وتشويه المعارضة ما أدى إلى ضعف أو غياب البدائل.
لذلك فأن السؤال الدائم عن البديل مطروح دائما.

فوق كل ذلك، فان القمع الشديد ساهم في عدم ظهور أي نقد لشخصية الزعيم. فحتى في الدول التي تسمح بهامش من الحرية لم يكن مسموحا، ولا يزال الحال كذلك، بالمس في شخصية الزعيم.

بالمناسبة،

مع أن الجيل الأول من الطغاة العرب قدموا أنفسهم كأصحاب رسالة، وقومية في الأساس، وبناة هوية وشخصية ودولة وطنية إلا أنهم في الواقع كانوا عكس ذلك وقد استندوا جميعا الى حكم "أقلوي"، عشائري، طائفي، جهوي...الخ

صدام حسين بدأ قوميا وانتهى عشائريا وكذلك الحال مع حافظ الأسد والقذافي وبقية الشلة بدون تسميات حتى ما ننحبس.

كما قام الطغاة العرب من خلال إعادة تركيب الهويات الوطنية والشعوب، واختزال التاريخ بشخوصهم او من لحظة وصولهم للحكم، أو وضع نهاية له بديمومة حكمهم بتفتيت الشخصية الوطنية وقتل الرموز الوطنية جميعها، بما في ذلك الرموز الوطنية التي حاربت الاستعمار.
وهكذا فقد ظهر الطاغية العربي كأنه الوحيد الذي ولدته امه وكان أمهاتنا لم ينجبن غيرهم.

أما الجيل الثاني، أو من بقي من الرعيل الأول من الطغاة الذي يفتقد الرسالة والكاريزما فقد ضيق حلقة الحكم "الاقلوي" من العشيرة والطائفة والجهة إلى العائلة، فظهرت العائلات العربية الحاكمة، يستوي في ذلك الجمهوري منها مع الملكي.

الاستناد الى الحكم "الاقلوي"، وتفتيت وحدة المجتمع، وثقافة الخوف، وتصحير الحياة السياسة، ومحاربة اسرائيل، او ما بقي من "الرسالة" سمح لهؤلاء الطغاة بتركيب "قاعدة اجتماعية" لهم، وتقسيم المجتمع بين موالاة ومعارضة..

وليس غريبا ان يكون للطغاة العرب قاعدة موالاة كبيرة، تعتبر خزان "البلطجة" بكافة أشكالها الفكرية والسياسية والشوارعية.
وإضافة إلى هذا فقد عمد الطغاة العرب إلى المماهة بين شخصه وبين الدولة والنظام، كما عمد الى المماهمة بين النظام والدولة والوطن والمجتمع. فصار أي انتقاد لشخص الزعيم يظهر للعامة كأنه انتقاد للوطن.

وقد ساعدت خيانة المثقف العربي، اينما وجد، في نزع صفة "الطاغية" عن الحكام العرب، على الاقل، ان لم يكن الترويج والتطبيل والتزمير له، على الاكثر.

على اي حال، ليس مهما ان تكبت رواية الديكتاتور العربي، من قبل المثقف الخائن، فالشعوب العربية تكتبها الان في الشوارع والميادين..

تعليقات

Comment Icon

اسمح لي ان اضيف شىء اسمح لي ان اضيف شىء آخر وهو ان الحكام العرب سوقوا أحتلال فلسطين ودقة الموقف والظروف الاستثنائية التي تمربها امتنا العربية تلك الجملةالتي يرددها اعلام زعماء الدول التقدمين الحزبين والملوك الخارجين من بيت الطهر اضافةان لكل منهم بطانة قادرة قادرة على تجيش من يدافع عن السلطان باستخدام المصالح التجارية حينا والطائفية حينا وجماعات دينية وعقائدية مقلدة حينا وكانت النتائج مدمرة فلسطين بشلحونا اياها قطعة قطعة والزعامات تقمع وتقمع بشعوبها ومن هذه الشعوب جزء يدعي لها بالنصر والعمر المديد كل هذا وبدك من يكتب عن الدكتاتور يا سيدي الدكتاتور صوره وتماثيله وكلماته الي مثل خرياته عل لوحات انيقة تنتصب بكل ساحة ودوار وشارع ومدرسة ومؤسسة حتى على جدران الزنازين ونهاقين يجعروا لهم نهاقا على شاشات التلفزيون وبالطابور المدرسي حيث يخرج قيلق من الجيش بفيديو كليب لاغنية اشبه بالنهاك او لقمع مظاهرة سلمية ولكنه لا يعرف شىء غير ذلك املين ان يتحرر الجيش والشعب كم تحرروا بمصر وتونس وكما تحرر العائدين الذبن خرجوا يوم 155 للحدود مع فلسطين المحتلة

غسان | 21/05/2011, 00:28 [ الرد ]

Comment Icon

برغم البطش المستمر والقتل البشع والاغتصاب.
ما زال هؤلاء الضغاه يجدون من يدافع عنهم.
هؤلاء المدافعون لا يختلفو عن اربابهم.
لعنة الله على الظالمين.

رائــد مسعد | 31/05/2011, 23:54 [ الرد ]

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba