ظننت وكل ظني اثم، لانني اختبرته اكثر من مرة، وكنت في كل مرة اكتشف انني وبعد خمسة عشر عاماً غير قادر على التقرير...
والتقرير، هنا، استخدمها بدلاً عن "اتخاذ قرار". عبر الاعوام الخمسة عشر هذه، كانت مسألة التقرير تأخذ حيزا واسعا من تفكيري في كل يوم.
كنت انام على قرار واصحو على قرار اخر، واكثر الاحيان كنت اتخذ قرارا لانقضه، اي اتخذ قرارا اخر مناقضا في ظرف دقائق فقط...
المهم،،،
لم استسلم مرة للامر الواقع، وامضي في الطريق المرسوم، وان كان الاستسلام للامر الواقع في هذه الحال افضل كثيرا من الاستغراق في التفكير في المسار.
كانت المسألة عبر الاعوام الخمسة عشر هذه مثل نسيان محرمة ورقية في جيب قميص وضع في درم غسالة فل اتوماتيك سعة سبعة كيلو بـ1300 دورة تنشيف...
ستمتليء ثقوب درم الغسالة بالنتف الهشة للمحرمة الورقية الى حين وضع وجبة غسيل اخرى في يوم الثلاثاء المقبل، موعد وصول المياه الى الحي الذي اقطن فيه، ومع وجبة الغسيل التالية سوف تتفتت النتف الهشة وتخرج مع المياه الوسخة لتذهب في مجارير الصرف الصحي في مسار حدد لها سلفاً...
وهكذا يبدو لي "الامر" الان، كما لو كان قد قضي امرا كان مفعولا، او، كما لو كان سجل مسبقا في اللوح المحفوظ على جبل قاف، ولم يعد فيه جدوى، او لم يعد من جدوى في تغيير ما هو مقرر سلفاً، وكل تفكير فيه ، او تقرير، لا يعدو كونه نتفاً تصلح لاغلاق ثقوب الذاكرة او فراغات خلايا التفكير في دماغي لفترة وجيزة، لكن الامر خرج عن السيطرة حقا. وهو يمضي في سبيله..
حاولت، بل حاولنا اكثر من مرة، وفي كل مرة كنا نقرر، كنا نقول مثلاً: هذا هو اللقاء الاخير،،،
و"لمّا ع الباب نتودع يا حبيبي"، يسقط القرار الاخير ليعود الامر الى دورته العادية،،،
لم يتغير "الامر" كثيرا، رغم ان امورا كثيرة تغيرت خلال الاعوام الخمسة عشر الماضيات، وخاصة العامين الاخيرين،،،
والامور الكثيرة التي تغيرت، على ما قلت في الفقرة السابقة، لم تكن هكذا بالضبط، انما كانت عبارة عن "تبدلات" لا اكثر ولا اقل، وان اتخذ بعضها ظاهرا تغييرياً، فيما بقي "الامر" في جوانيته كما هو مع تعديل بسيط في مشواره...
ولو اردت ان اكون اكثر دقة، لقلت، ان ما طرأ من تغيير، كان كذلك بالنسبة للاخرين وحسب، انما بالنسبة لنا فلم يكن في الامر سوى تبديل او تعديل بسيط على مسار الامر.
المهم،،
هكذا مضت الاعوام بين ما يجب ان يكون وما هو كائن فعلاً، ووجدنا انفسنا بعد مضي خمسة عشر عاماً، او اقل او اكثر قليلا، على اليوم الاول نمضي في الامر وكأنه مصير او قدر. وهو كما يبدو ليّ الان كذلك، فلا احد يستطيع تغيير قدره...
ورغم دراستي للفلسفة، واقتناعي بصحة المنهج المادي الجدلي في تحليل الامور والظواهر، وبغض النظر عن رفض هذا المنهج لـ"القدرية"، وان كان لا يخلو منها بدرجة او باخرى، كقول ماركس مثلا، ان الاقتصاد هو العامل المحدد في نهاية المطاف للتشيكلة الاجتماعية الاقتصادية والتغيير فيها، او ان "الجغرافيا" تعلب دورا "محددا" بشكل ما في البنية الاقتصادية الاجتماعية،،،
بغض النظر عن كل قناعاتي النظرية، التي عادة لا تصمد في ارض الواقع، ومع ذلك اتمسك بها، واعتقد بصحتها، واتبجح مثل غيري في القول ان : التاريخ اثبت صحتها ونجاعة استخدام ادواتها في التحليل، ولا ادري لماذا، او من اين يأتي هذا التسمك والدفع به الى درجة اليقين الذي لا يرق اليه الشك ولا يقبل ان يختلف عليه اثنان.
بغض النظر عن قناعاتي النظرية هذه، او فلسفتي، التي تشبه كل شيء ما عدى الفلسفة نفسها، بوصفها علماً للحكمة.
قد يكون ما عندي "تفلسف"، وانني "اتفلسف"، و "افلسف" الامر، لكن ما لدي ليس فلسفة بالقطع، اي بامكان اي احد، بما في ذلك ابنتي "ميسو" ان تقول ليّ: بابا بلاش تفلسف...!
على كل، اعتقد انني وضعت نفسي في حالة حرجة ومزرية، فاذا كان الانسان عندنا يحتقر الفلسفة، لاسباب دينية قطعاً، فكيف والحال مع رجل "يتفلسف"، وهذه الـ"يتفلسف" اتت اصلا من احتقار الفلسفة التي كانت في اصلها ام العلوم، وعلم الحكمة، قبل ان يتطور الفكر الانساني ويذهب في التخصص واختراع التكنولوجيا...
انه لامر مضحك فعلاً، فبعد ان اخذت الديانات "التوحيدية" الثلاث كل مفاهيمها في الخلق والوجود والعدم من الفلسفة، رمتها بدائها وانسلت، وباتت موضوع احتقارها...
المهم،،،
بينما كنت مستغرقا في تداعياتي، او تخريصاتي، سادرا في كتابة هذه التدوينة، بدأت الفضائية السورية ببث اغنية "فؤاد غازي" " تعب المشوار"،،،
والصحيح ان الاغنية اجت ع الوجع،، ما بعرف اذا كان "الي ما بينقال يا سنين العمر الضايع صار بينقال"، او "الي راحوا ما باحوا، باح الموال،،،" او "ضاعوا الخطوات، ضاعوا سطورك بكتابك، ضاعوا الكلمات"،،،،"
لا ادري ما اذا كنت قادرا على الكتابة بوضوح عن "الامر"، الذي كنت اكتب فيه. وما اذا كان موالي سيبوح به.
"الامر" الذي امتد على مشوار خمسة عشر عاماً من عمري، ولم يتعب بعد، ولا اعتقد انه سيتعب في القريب العاجل، رغم كل استغراقي في التفكير فيه وقراراتي التي لا تدوم اكثر من لحظة توارد فكرة على فكرة...
"تعب المشوار، سّفر يا ليل نجومك عن هالطرقات، ضاعوا الخطوات، ضاعوا سطورك بكتابك، ضاعوا الكلمات،،،،".
ما علينا،،،
اصلا "الامر" كله بدأ منذ خمسة عشر عاماً، مع كلمات اغنية عبد الوهاب "ليه خلتني احبك"،،، يا لمحاسن الصدف...
بدت امس كما لو كانت نجمة سينمائية شكلاً، وتحدثت كما لو كانت خبيراً، وهي كذلك،،، التي كانت الى ما قبل بضعة سنوات ساهية عن صلوات الحياة الحقة، وعابثة في متع زائفة، شبت عن الطوق، وكسرت اطارها: "انثاي تأبى ان تكون اطار صورتها، وتخرج من رمادي عنقاء اخرى،،،".
امس بدت حقيقية كاملة، غير متمثلة،،،
آن للفارس آن يترجل يا بوعمر- أعتق وانعتق
محمود العابد | 26/09/2009, 17:06
ليش مقفل التعليقات
عليl | 21/09/2010, 15:22
جئت لا أعلم من اين ، ولكني أتيت
ولقد أبصرت قدامي طريقا فمشيت
وسأبقى ماشيا ان شئت هذا أم أبيت
كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟
لست أدري!
أجديد أم قديم أنا في هذا الوجود
هل انا حر طليق أم أسير في قيود
هل أنا قائد نفسي في حياتي أم مقود
أتمنى أنني أدري ولكن..
لست أدري
ُإيليا أبي ماضي | 26/09/2009, 01:33 [ الرد ]