هرطقات اقتصادية...!
22 حزيران, 2010
ليس من عادتي ان "اخرق" القانون، لكني افعلها احياناً. وأكثر الأشياء التي أمارس فيها "خرقاً" للقانون هي شراء اشياء مهربة، غير خاضعة للضريبة والجمارك...أدخن في العادة سجائر "كمل" وهي سيجارة غير شائعة، لذلك لا يفضل أصحاب المحال التعامل بها. عندما لا اجد "كمل" اشتري مارلبورو احمر، مطار او "لبناني"...

اغلب الدكاكين في الأردن صارت تبيع السجائر المهربة "عيني عينك"، وفي وسط البلد، في مجمع المحطة او رغدان أو على البسطات توجد جميع أنواع السجائر.
تهريب الدخان صار امراً مربحاً منذ زمن، وقد ارتفعت ربحية "تجارة الظل" هذه مؤخرا...

امس بحثت في عدد من المحال التي اعرفها عن سجائر مهربة لكني عجزت عن العثور على باكيت واحد، وسألت كل من دخلت دكانه عن السبب فابلغوني ان "الطلب زاد كثيرا في الايام الماضيات"، يعني بعد قرار الحكومة رفع الضريبة على السجائر.

ما قد يحصل ايضا ان تهريب الكحوليات قد يزيد، او الاتجار "غير المشروع". ربما لا يوجد في الأردن قناة تهريب للمشروبات الكحولية، ولا تصل إلى درجة "تجارة ظل" كالسجائر لكنها موجودة بكثرة بسبب كثرة سفر الاردنيين للخارج او بسبب السياحة حيث يفضل المسافرون والسواح جلب هذه البضاعة من الخارج والأسواق الحرة ومنطقة العقبة الخاصة لانخفاض الضريبة عليها.

وربما سوف يحصل عندنا ما يحصل في بلدان عالمثالثية من انتشار مصانع "خمور بيتية" غير خاضعة للإشراف الصحي ناهيك عن الخضوع للضريبة.

وليس سرا أن الأردن يشهد أيضا عمليات تهرب للبنزين والسولار خاصة في المناطق المحاذية للعراق وسوريا او من خلال سيارات وشاحنات النقل العام والخاص المسافرة لهذه البلدان.

تهريب البضائع او تصنيعها "بيتيا"، إي في "مصانع صغيرة موازية"، وكذلك التهرب من الضرائب، والعمل الإضافي خارج أو داخل وقت العمل الأصلي، وانتشار الرشوة والغش والبضائع المقلدة، وأشياء اخرى كثيرة، كلها تندرج تحت ما يعرف بـ"اقتصاد الظل" او "السوق السوداء" أو "الاقتصاد غير الرسمي".

وحسب علمي فان "اقتصاد الظل" في البلد يشكل نحو ثلث الاقتصاد المحلي، وهي نسبة ليست مرتفعة ، على اي حال، مقارنة بدول عربية مجاورة، يشكل اقتصاد الظل في سوريا نحو 11 مليار دولار، مثلا.
الظروف الاقتصادية الحالية وقرارات الحكومة الأخيرة قد تدفع إلى زيادة هذه النسبة إلى مستويات عالية. الأمر الذي سوف يعطي نتائج عكسية، اي عكس ما تريده الحكومة من زيادة الإيرادات وتاليا خفض العجز الى 500 مليون دينار مع نهاية العام كما هو مستهدف.
الأمر الآخر الذي قد تفعله قرارات الحكومة الأخيرة هو "ترشيد أو ضبط السلوك الاستهلاكي للمواطن. وقد قرأت تعليقات كثيرة على خبر "برنامج الإصلاح أو " برنامج التحفيز" الحكومي وسمعت من عدد من الناس أمورا تفيد بذلك.

يعني المواطن بدأ يفكر في ترشيد استهلاكه للبنزين والطاقة والمياه، ناهيك عن التوجه إلى "المهربات" نظرا لانعدام فارق السعر مع توفر "الجودة" في المنتج المهرب مثل الدخان والمعسل والمشروبات والبن.
ترشيد الاستهلاك أمر مطلوب خاصة في الدخان لحماية صحة المواطن وتقليل كلفة الفاتورة الصحية ع الدولة والمواطنين، وترشيد استهلاك المياه أمر أكثر من مرغوب في ظل الفقر المائي الذي نعيشه.
لكن "ترشيد" و "توجيه" السلوك الاستهلاكي لم يكن هدف القرارات الحكومية الأخيرة.

الحكومة لا تفكر الى في الجباية وفقط، إي زيادة الإيرادات وحسب، لكنها فعلت عكس ما تريد.

لو حدث ان المواطن قام بترشيد استهلاك البنزين فان الموازنة هي الخاسر الأكبر. ذلك ان الموازنة العامة للدولة تجني ما لا يقل عن 60 مليون دينار، وهناك بعض الاقتصاديين "يؤكدون" أن الموازنة تربح ما لا يقل عن مليار دولار من مبيعات النفط في البلد. خاصة وان الأردن يشتري النفط بأسعار تفضيلية من الدول المجاورة.

يعني ليس صحيحا ان الحكومة تدعم "الفاتورة" النفطية بل العكس تماما.
اليوم ستعلن الحكومة البريطانية الجديدة إجراءات تقشف جديدة وقاسية، لكن إجراءات الحكومة البريطانية عكس إجراءات حكومتنا، فسوف تعمل حكومة بريطانيا العظمى على:

-    زيادة الضريبة على البنوك، الأردن قام بخفض الضرائب على البنوك من 35% الى 25% على ما اعتقد.
-    زيادة الضريبة على الأرباح الرأسمالية. الأردن قام بخفض هذه الضريبة.
 
-    إعفاء نحو مليون من المواطنين (البريطانيين) الذي يحصلون على أقل أجور من ضريبة الدخل مما يكلف الدولة 3.7 مليار استرليني (5.7 مليار دولار) ستمولها من خلال ضريبة سنوية جديدة على البنوك. الحكومة عندنا فرضت ضرائب جديدة، خلافا للدستور، يتحمل أعبائها المواطن الفقير وأبناء الطبقات الوسطى على قدم المساواة مع الأغنياء.

-    التوجه بفرض ضريبة على البنوك والأرباح الرأسمالية صار توجها عالميا والأغلب ان يقر في قمة "قادة المجموعة عشرين" التي ستعقد نهاية الاسبوع. فيما نحن نخفض الضرائب هذه ونتيح للبنوك مراكمة أرباح وعوائد ضخمة ونسب فوائد مرتفعة على الإقراض يقابلها امتناع عن منح تسهيلات مالية للإقراض وخفض نسب الفائدة على الإيداع.

على اي حال، ما بعتق داني بفهم في الاقتصاد اكثر مما يفهم "مخططو" الحكومة، والحكومة تدرك أصلا إن كل هذه الإجراءات لن تخفض العجز اكثر من 250 مليون دينار، اذ انها خفضت 250 مليون سلفا منها 150 مليون من النفقات الرأسمالية و 100 مليون من بعض النفقات الجارية.

طبعا الحكومة ما بتقدر تقرب صوب النفقات الجارية كثيرا خاصة وان اجور ورواتب العاملين في القطاع العام، المدني والعسكري، تستهلك 84% من الموازنة، واي اقتراب من هذا الأمر سيكون بمثابة تهديد للسلم الاجتماعي.

لكن خفض 250 مليون دولار لن يحل المشكلة ابدا، بل سوف يعقدها، خاصة في ظل خفض الإنفاق الاستثماري الرأسمالي الذي ستبدو نتائجه السلبية في الاعوام المقبلة.

خيارات الحكومة محدودة، وهي قالت انها قدمت برنامجها واتخذت قرارات عجزت الحكومات الاخرى عنها ورحلت مشاكلها،

لكن قرارات الحكومة هي بمثابة تأجيل اخر للقرارات المصيرية...

تعليقات

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba