كاره نفسي...!
24 آب, 2010
أكيد لن اكتب عن "اليهود كارهي أنفسهم"، انما سأكتب عن نفسي ذلك انني ومنذ يومين اشعر بكراهية لنفسي، أو بالاحرى بعدم رضا شديد عن النفس...
اعتادت أمي ان تسمعني "موشحا"، مفاده التالي: "
روح والله عمرك ما راح تكيد أولاد جيلك...!".

أول امبارح اكتشفت "دقة" موشح أمي العزيزة، وأريد هنا أن ارثي لحالي التي انا عليها...

"رثاء الحال" هذا جاء بسبب شعوري الذي عبرت عنه في مطلع الإدراج، كراهية النفس.
 
هذه الكراهية شعرت بها بعمق عندما انتهيت أول أمبارح من قراءة كتاب كولن ولسون "رحلة إلى البداية"، وهو كتاب قديم جداً ترجم عام 1971، وهو سيرة ذاتية فكرية لمؤلفه، وقد تأخرت كثيراً جداً في الإطلاع عليه...

المهم،،
كم عدد الكتب، العلوم، المعلومات، المعرفة،..الخ التي لم اعرفها ولم اطلع عليها حتى الآن، ليس لسبب انما لأنني أضعت عمري بدداً.

واحد وخمسون عاماً ذهبت أدراج الرياح، والآن لا املك سوى قبض ريح...!

كتاب ولسون سبب ليّ كآبة غير طبيعية، وتأنيب ضمير، وكراهية لنفسي، لأنني اكتشفت ببساطة انني لم استغل، حتى في الحدود الدنيا، ما وهبتني الحياة...

أسوأ ما في الامر انني أضعت افضل ما في عمري من سنين، وهي العقد الاخير، او "عقد الحكمة" المفترض.

اضعت نحو ثلاثة عشر عاماً غارقا في وحل التفاهات وصغائر الامور...

لا يكفي انه كان علي ان ابدأ حياة جديدة لإعالة نفسي واسرتي وان اشق طريقي المهني في أرذل العمر، متأخرا جدا عن "أولاد جيلي" فذهبت ابدد وقتي وجهدي الفكري في قصص تافهة لا تستحق حتى الحديث عنها، وان كانت تستحق "اعترافات" بمستوى اعترافات جان جاك رسو، ربما لتطهير النفس...

بالمختصر المفيد، او بالمشرمحي، أشعر ان قول الشاعر صلاح عبد الصبور، على ما اعتقد واظن، ينطبق علي:" انا كالسفيه، اضعت في الصيف ما اختزنته للشتاء"...

المهم،،
ما راح اكتب كثيرا عن القصص التي بددت فيها وقتا وجهدا فكرياً، ذهبت هباءً منثورا، ربما سيأتي يوما ابلغ فيه جراءة روسو واتحدث عن كل ما فيّ حياتي من اشياء مخجلة بحق نفسي، طبعا، وليس بحق الاخرين، كي لا تذهب بأحد الظنون..

لكن الان ساقول بضع كلمات عن السبب الذي جعل كتاب ولسون يثير عندي هذه الكراهية للنفس...!

ولسون هذا شكل ظاهرة كبيرة جدا في زمنه، نهايات العقد الخامس وبدايات العقد السادس من القرن العشرين وهو لم يكن قد بلغ الخامسة والعشرين من عمره. ومن هم في جيلي تأثروا او سمعوا على الاقل به بشكل او اخر..

لم يكن قد تجاوز الثلاثين من عمره حتى كان كالمتنبي ": "مالئ الدنيا وشاغل الناس"، وكتب اكثر من 40 كتابا، وانتج ما "يشبه" الفلسفة،،،

وهو كان أصدر كتابه الأشهر "اللامنتمي"، وهو لم يكن يبلغ الثالثة والعشرين من العمر، والف أكثر من 40 عملا نالت شهرة عالمية ولا يزال بعضها يقرأ الى الان بشغف، فهو لم يكن ممن يضيعون وقتهم غارقا في التفاهات على حد تعبيره،،،

كتاب ولسون "رحلة إلى البداية" ليس كتاب تشاؤم، بالعكس تماما.

وولسون ذات نفسه ليس متشائما وليس "لامنتميا" كما يشاع عنه، او بالمعنى الشعبوي عندنا، او كما هي فكرة أشباه المثقفين، أمثالي، عنه، بل هو كاتب "التفاؤل"، وهو الذي أنتج فلسفة "وجودية تفاؤلية" تقوم على "المعنى" بالضد من فلسفة سارتر، او بالأخص فلسفة كيركغارد التي كانت تقوم على "الوجود" وعدمية الوعي. وتحدث ولسون عن "المعنى" الذي تعطيه الحياة دائما وينقصنا ان نجده..

أما كتابه "اللامنتمي"، أكثر الكتب التي أسيء فهمها لدينا فقد كان يهدف من خلاله رفض النزعة التشاؤمية عند كبار أدباء وفلاسفة اوروبا، بل هو يذهب الى ان اغلب هؤلاء المتشائمين "فلسفيا وادبيا"، كانوا يعانون من مشاكل شخصية، فهو مثلا يعتبر ان الروائي بروزو كان مدمن مخدرات وان جيمس جويس صاحب "يوليسز" كان "صبيانا" مولعا برواية النكت التافهة...الخ.

وولسون ايضا اتبع كتابه هذا بكتاب آخر، عصر الهزيمة، وفيه يعتبر ان المثقف الأوروبي هزم أمام أسئلة المتغيرات بعد الحرب العالمية الثانية...

على أي حال، ولسون كاتب مثير للجدل، وهو اعتبر في بلاده، بريطانيا، من قبل مثقفين كثر ككاتب "دجال" و"مثقف مدع"، وانه انتهى الى كتابة "خزعبلات" عن السحر والشعوذة.

رغما عن كل هذا، قراءة سيرة حياته، والإطلاع على ما أنتج من أفكار في عمر مبكر أجبرت كبار كتاب العالم على الانتباه له تثير حسد مثقفين من أبناء طبقات مترفة لم ينجزوا شيئا مهما في حياتهم، كما عبر هو، فكيف بأبناء الطبقات الفقيرة والعاملة التي أتى منها ولسون، صاحب "طقوس في الظلام"...

على كل، ولسون وآخرين، بمن فيهم "أولاد جيلي"، ممن أنجزوا، لم يضيعوا وقتا، اما انا فقد بددت ولم أزل، سنين نضج العمر في "تفاهات تنطوي على تفاهات" وبعد ان فات السبت استحق ان ارثي لحالي قليلاً أو كثيراً..

تعليقات

Comment Icon

الفرق بينك و بين كولن ولسون أنك اكتشفت ما يجب عمله متأخراً بثلاثة عقود فقط، فإن كنت تشعر أنك أضعت طريقك و وجدته متأخراً، فهناك الكثير ممن ضلوا الطريق و لم يجدوها أبداً، فأن تكون متأخراً خيراً من أن لا تصل، لا أظن أنه من السهل الوصول إلي تحديد الهدف السامي في حياة أي واحد منا، فأنت تسبق الكثيرين بوصولك لمثل هذا إن كنت حقاً قد وصلت إلي تحديده

صالح | 24/08/2010, 13:00 [ الرد ]

Comment Icon

انت تمتلك الشجاعة للبدء في مشروعك الابداعي, فماذا تنتظر...ولا تشكيلي ببكيلك!!!!!

زيزو | 24/08/2010, 15:22 [ الرد ]

Comment Icon

يا عمي انشر كتاب يضم جميع مدوناتك !

........ | 24/08/2010, 16:09 [ الرد ]

Comment Icon

إذا كانت سنين عمرك مجرد "قبض ريح" ماذا عسى الكثيرين أن يصفوا أيامهم ؟

بوسعك و تملك الكثير ، لكن بوصلتك لا زالت "تفتل" حول محورها.. عندما يستقر المؤشر .. حينها بوسعك أن تبدأ مشروع حياتك ...
دع عنك .. ما تملكه و تختزنه و ما مر عليك و خبراتك و شغفك بالمعرفة .. كفيل بأن يكفيك زاد المسافة بأشواط بعد إستقرار المؤشر " طلقة البداية "

دمت بخير و ألق ..

فـاخـر النـحـال | 24/08/2010, 20:34 [ الرد ]

Comment Icon

Dear Mo, it would be nice to get hold of his recent autobiougraphy "Dreaming to some purpose"Funny that it allowes comparison of the visions and interepretations of one's life 40 or more years apart. I think the book you read "Voyage to a begining"is one of the most interesting books i ever read.
Asta la viesta baby...

Dreaming to Some Purpose | 25/08/2010, 11:48 [ الرد ]

Comment Icon

هذا الكتاب ، شكل وجداني ووضعني في متاهة فكرية كنت صغيرا عليها وانا لم ابلغ بعد السادسة عشر من عمري ، وظل في مكتبتي بعد ان فقدته مرة واشتريت في بداية العام 1980 نسخة اخرى من ابو علي هي التي املك الان في مكتبتي القديمة والتي اطلع عليها صديق الطفولة محمد عمر ، يا له من كتاب مؤسس ، له الفضل في معرفتي من زمان جدا .واهميته انه سيرة ذاتية ذهنية ، يختلط فيها المعاش بالمقترح والمتخيل .ساعيد قرأته حتما.

محمد الجالوس | 25/08/2010, 12:11 [ الرد ]

Comment Icon

تشوقت لقراءة الكتاب ..

عبير هشام ابو طوق | 25/08/2010, 14:28 [ الرد ]

Comment Icon

وأنا كمان تحمست أجيبه وأقرأه!
محمد عمر، لربما تجاربك تبدو لك الآن تافهة وصغيرة، لربما هي كذلك! لكنك بالشجاعة بمكان لتواجه نفسك في هذه القناعة، برأيك في كتير ناس هيك؟ بعدين فش حدا "بيعرفك" ممكن يوافقك الرأي، ويا سيدي إزا مصمم فإحنا بنشكرك عاللي عملتو، لإنك لو ما عملك اللي عملتو، عالأغلب ما في مدونة محمد عمر، وما في هذه المتعة والحالة الفريدة... وأنا بأيد اللي اقترح إنك تطبع مدوناتك في كتاب، أو تكتبلنا كتاب من أي نوع يا أخي :)

Naser | 25/08/2010, 20:54 [ الرد ]

Comment Icon

فكرة: بإمكانك تساعد شخص (أو أشخاص)، ربما، يقوم بالأشياء اللي بتتمنى تحققها وتعتقد إنو فات الأوان... بتوقع ممكن لو نجحت بهاي الشغلة ممكن تشعر انك "عملت اللي عليك"؟ ما بعرف... مجرّد فكرة!

"مفكّر" | 28/08/2010, 00:20 [ الرد ]

Comment Icon

مشكورين جمعيا على هذه التعليقات.
تحياتي

محمد عمر | 31/08/2010, 16:54 [ الرد ]

Comment Icon

ما بصدق هالحكي.. بكفي العقل و الفهم الي عندك استاذ عمر.. بعدين انت انجزت كثير في كتاباتك.. بكفي الجواهر في هذه المدونة :)

The Observer | 04/09/2010, 20:26 [ الرد ]

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba