الأحمر والأسود...!
31 آب, 2010
تكاد حياتي تخلو من أشياء كثيرة تستحق الكتابة، ولولا بعض القراءات التي املأ بها اوقات فراغي فلا شيء حقيقيا غير العمل أنجزه خاصة مع خمول شهر رمضان...
وفر لي رمضان وقتا كافيا لقراءة عدة أشياء.

في المكتب اقرأ أهم المقالات او الدراسات التي تنشر حول قضايا سياسية وفكرية مختلفة، خصوصا أن الأخبار تشح في رمضان كثيرا، كما يقل عدد زوار ومستخدمي شبكة الانترنت، ولا ادري سببا لهذا الأمر..

المهم،،،

مؤخرا اكتشفت الروائي الفرنسي "ستندال"، شكرا للمثقف العراقي علي الشوك وكتاباته عن هذا الروائي الذي كان مجهولا بالنسبة ليّ.

بحثت عن أعمال "ستندال" في السوق فوجدت رواية واحده له مترجمة للعربية، طبعة قديمة جدا وجدتها قبل فترة في مكتبة "خزانة الجاحظ".

رواية "ستندال" التي عثرت عليها هي "الأحمر والأسود"، ولا ادري ما إذا كانت له أعمال اخرى مترجمة للعربي، واعرف أنها "الأحمر والأسود" و "دير بارم" أهم أعماله.

قضيت وقتا ممتعاً في قراءة الرواية التي يعتقد ان "ستندال" أنهاها عام 1827. وهي رواية أحوال فرنسا في القرن التاسع عشر، فرنسا ما بعد نابليون بونابرت التي تنازعها الروح العسكرية، من جانب، وقد شبهها "ستندال" بالاحمر، وروح الدين، بالاسود.

وبين النزعتين تغرق فرنسا في الكذب والدجل والنفاق.

كان لديّ، وربما لدى الكثيرين الانطباع بان القرن التاسع عشر كان "قرن الرومانسية"، لكن ستندال يقدم هذا القرن في روايته بوصف قرن النفاق والكذب، والانغلاق الطبقي الى ابعد حدود حيث لا تسمح الطبقات الارستقراطية لاح دان يخترقها.

وهو ما حصل مع بطل الرواية "جوليان سوريل" الذي اعدم في نهاية الرواية، ووقف في نهاية محاكمته صارخا:" إن تأثير أهل عصري كبير جدا على نفسي، قال بصوت مرتفع وبضحكة مرة، فأنا أتحدث وحيدا، وعلى بعد خطوتين من الموت، ولكنني مازلت مرائيا.. آه يا أيها القرن التاسع عشر".

"جوليان سوريل" هو فعلا بان قرنه، فهو ابن نجار خشب من الطبقة الوسطى حاول استغلال كل عبقريته وثقافته ليرتقي الى مصاف الطبقة الارستقراطية، فمرة يفكر بان يكون رجل دين معروف ومرة بان يصبح ضابطا، باساليب نفاقية، غير آبه باستغلال حتى مشاعر الحب لتنفيذ رغبته هذه، وبقي معجبا بنابليون، وذرائعي، مخلص للمكافيلية.

من اجمل ما في الرواية "تحليل" ستندال للحب في القرن التاسع عشر، وهو حب بعيد كل البعد عن ما عرفته من الرومانسية، في مقطع يقول "ستندال" نقلا عن شاعر:" اه ايها الحب انك لا تبحث عن الفوارق، لكنك تذيبها".

ومع ذلك، فلم يستطع الحب ان يذيب أي فارق، لا في قرن "ستندال" وفي القرنيين بعده، لأن الحب بقي خاضعا لشروط الحياة نفسها، منفقا ووسيلة للارتقاء كما هو حال الزواج الذي لم يكن أكثر من "صفقات" تجارية، كما هو حاله اليوم.

إننا لم نعرف بعد معنى الحب الذي يذيب الفوارق، لأننا لا نحب أصلا من هو "مفارق" أو "مغاير" لنا، من هو ليس من ديننا او من جنسنا أو من جنسيتنا أو من عمرنا...الخ
 اننا في لا وعينا، عندما نقول اننا نحب، نكون نفكر بالارتباط أكثر مما نفكر بالحب بحد ذاته والارتباط يعني البحث عن شريك مناسب مقبول في معايير المجتمع، يعني مناسب لنا عمرا وجنسا وجنسية ودينا...الخ ولا يهم بعد ذلك اذا ما مارسنا كذبا نسميه "تجميلا" او مارسنا انواع اخرى من الرياء التي مارسها "جوليان سوريل" للوصول الى غايتنا.

لو ان امرأة في الأربعين أحبت شابا في العشرين لاتهمت بالمراهقة، ومع ذلك نتحدث عن "الحب الأعمى"،،،

أحاديث مع والدي...!

قبل ايام "تمشكلت" مع بنتي "ريم"، ربما كان المشكل الوحيد الذي صار بيننا، وقد استغربت من نفسي، حتى انني سألت زميلة لي في عمر "ريم" ما اذا كانت "تتمشكل" مع والدها، فإجابات : طبعا، هذا امر مفروغ منه...!
 
اعرف الان، ان "الاباء" مهما كانوا "ليبراليون" مثلي، تأتي عليهم لحظات يحاولون فيها ممارسة "الابوة الذكورية"، او يخيل لهم انهم دائما على حق وانهم يعون "مصلحة" ابنائهم اكثر،

وحصل انني اردت ان "افهم ريم مصلحتها"، فثار نقاش بيننا تطور الى "صراخ" وفقدت "اعصابي".

في البداية كنت غضبانا على ريم، والان اخجل من مواجهتها لانني بداية فقدت اعصابي معها ولانها "أسمعتني" بعض العبارات التي فاجائتني كـ"أب" وجعلتني افكر كثيرا بمدى معرفتي لنفسي.

المهم،،

في سياق كهذا حصلت على نسخة من كتاب "احاديث مع والدي ادونيس"، وهو مجموعة محاورات أجرتها الفنانة التشكيلية ننيار اسبر، ابنه الشاعر المعروف مع والدها ادونيس.

الكتاب جاء في وقته،،
 
جاء في وقت كنت اسعى فيه لمحاولة معرفة علاقة الاب بالابناء، خاصة البنات،،

هذا اول كتاب من نوعه باللغة العربية، وهو كتاب لا يفتقد للجرأة مطلقا، فننيار تحاور والدها في الجنس والدين والثقافة والحب والعائلة، حوارا جريئا تتجرد فيه من سطوة ادونيس كشاعر معروف وكـ"أب".

لو وضعت جانبا الجانب المعرفي من الكتاب فقد كنت ابحث فيه عن "صورة الاب" عند الابنة، وعن تجربة ادونيس في "تربية" ابنتيه.

يبدو هو الاخر "نادم" على بعض الطرق التي اتبعها في تربية، يقول:" في جميع المجتمعات، ولاسيما العربية منها، يمثل الأب السيد المطلق المطاع الذي يربي أولاده على صورته وقيمه وأخلاقه. ثمة دراسات عديدة انتقدت هذه المجتمعات لأنها تدمر الأولاد ولا تمنحهم ذاتيتهم. ما كتبه هشام شرابي تحليل لهذه الظاهرة. أنا شخصيا، كما فعل والدي من قبلي، لم ألعب هذا الدور. أردت أن تكبرا (أرواد ونينار) من دون تدخلي، الشيء الذي أثر عليكما تأثيرا سلبيا. اعتقدت أن والدتكما كافية لملء هذا الفراغ. كنت على خطأ. ليتني أعيد عقارب الوقت إلى الوراء، لأبتكر تصرفا آخر مع أرواد ومعك. لقد كنت طوال هذا الوقت في أسفاري منشغلا في العمل وكسب الحياة.

لكن الابنة لا يبدو انها "نادمة" على هذا الغياب الذي اتاح لها ان تكبر خارج سلطة الاب:" هذا الغياب سمح لي بتطوير شخصيتي بلا حواجز، رغم ضرورة الحواجز...."حين نكبر وفي خيالنا صورة عظيمة عن الأب الغائب، فكأننا لا نتقن فن السباحة، نرى البحر أمامنا، شاسعا والأرض الصلبة تتوارى تحت قدمينا، فلا يعود من احتمال سوى الغطس في الماء. وعلى هذه الدرب، بعد غرق وصعود، نعود إلى إيقاعنا، ونلتقي الأب كمكافأة، كخبر سعيد".
المهم،،،

اعتقد اننا جميعا في فترة ما من عمرنا تتلبسنا فكرة "الغاء" الاب من حياتنا، ان لا نكون صورته، وربما نتمادى في او نمعن في هذا حد القتل، او بحسب ادونيس نفسه:" إلغاء الأب عندنا، اليوم، هو نوع من «القتل». فهو إلغاء قائم على الجهل".

بكفي، زهقت،

 المهم الكتاب جريء وفريد وغني بحوارات حول الحب ,والكذب وتعدد العلاقات والجسد والزواج والخيانة والجنس والثقافة ويستحق...

تعليقات

Comment Icon

جميــل أن يكون للإنســان أب يقرأ ويحب الكتب ....اهنئك يا ريــم ...:-)
لماذا يتم الإختيار ما بين وجود أب تسلطي يفرض سلطته الأبوية ويحاول إثبات ذكورته ...وما بين أب غائب مسافر لا يعرف أكثر من أسماء بناته ؟؟ نحن ندعو لوجود أب حاضر بشحمه وبدمه بعيد كل البعد عن التسلط ، ديقراطي ومحاور من الدرجه الأولى يفهمنا ونفهمه كوالدي تمامــا ً :-)
أنا أحترم وأقدر كل انســـان يقرأ ويحب القراءة ...للقراءة متعه ونكهة خاصه لا يعرفها الكثيرون وخصوصا ً.....

orangee | 31/08/2010, 19:06 [ الرد ]

Comment Icon

Yes i am blessed

reemi | 01/09/2010, 14:02 [ الرد ]

Comment Icon

هناك (سندروم) نفسي شهير على اسم ستندال, و هي مجموعة ظواهر (سيكوسوماتيك) على شكل تسرّع في القلب و دوار و هذيان قد يحصل عندما يرى المرء أمامه قطعة فنّية جميلة جداً و يتأثر بها (يحصل أمر مشابه أيضاً لزوار بعض الأماكن الدينية بسبب شدة وطأة التأثر), و قد سمّي هذا السندروم باسم ستندال لأنه أول من وصفه عندما شرح ما انتابه عندما زار كاتدرائية فلورنسا.

أما بخصوص علاقة الأبناء (و البنات) مع الآباء فهي باعتقادي أحد محركات التاريخ بدورها, شكل محوّر من أشكال الصراع الطبقي, إلا أن الطبقة هنا هي العمر و شعور بيولوجي بالمسؤولية الأبوية من قبل الآباء لا يقبله الأبناء (و كلاهما على حق ربما)

تحياتي

تحياتي

ياسين السويحة | 31/08/2010, 19:15 [ الرد ]

Comment Icon

تعليق خارج النص، لكنه هام ..

كل عام وأنت بألف خير يا محمد .. يد سعيد .. استمتع : - )

عبير هشام ابو طوق | 01/09/2010, 09:35 [ الرد ]

Comment Icon

قراءت مدونتك وانا في رام اللة غاطس في التفكير في انتاج ومضات اذاعية تهدف الى تشجيع الاباء الاهتمام باولادهم وبناتهم وكنا في نقاش ما اذا نحاول ان نصل الى الاباء من خلال اقوال اطفال تحرك العاطفة فيهم ام من خلال اقوال لكبار العمر يتذكرو ابائهم ويقولو عن اهم الاوقات التي صرفوها معهم بهدف اقناع زملائم الاباء بالاهتمام باولادهم. شكرا على المدونة الجميلة والتي تحرك اي اب لزيادة الاهتمام باولاده.

داود كتاب | 01/09/2010, 13:44 [ الرد ]

Comment Icon

ليس بوسعي أن أسميك أبا مثاليا ، ربما بناتك و والدتهم أقرب بكثير من الإمساك بالوصف الذي يليق بأبوتك لريم و شقيقتها ..
ما أعرفه أنا و موقن منه بأن أبوتك إيجابية و ناضجة و مرنة و ربما بعيدة قليلا عن التقليدية .. و بأنك لم تذخر وسعا في سبيل أن تملأ الحجرة هواءا نظيفا لإبنتيك ..
دمت بخير أبا ريم

فـاخـر النـحـال | 03/09/2010, 17:41 [ الرد ]

Comment Icon

أولا انا مررت للسؤال عليك فمند تواجدك بالمغرب لم أسمع لك خبرا
تانيا عيد سعيد
وثالثا أعجبني كثيرا طريقة كتابتك للتدوينة وهذا الشكل هو الأكثر اتارة بالتدوين أو لنقل هو التدوين في حد داته إنه روح الكتابة ومشاركة الزائر لمشاعرك
لقد نجحت يا صديقي في نقل تجربة حلوة من حياتك وحياة أدونيس للآخرين
أحيي منطقك الجميل بالتفكير الحر والحداثي وتحيتي لك

المصطفى اسعد | 08/09/2010, 03:18 [ الرد ]

Comment Icon

سيدي الكريم
هل تنصح بتجربة أدونيس وتجربة نينار يكاد الكل يعرف الصور الاباحية التي تصورتها نينار ابنة أدونيس مه مجموعه من الأدوات الجنسية فهي تباهي بانفتاحها الذي تخجل منه الاوروبيات!!؟

أقول هذا وأنا أعرف أنه حتى المجتمع الأوروبي المنفتح يستحي مما فعلته.
هل هكذا نريد بناتنا؟
بئست التربية ان ترك الشخص أولاده للزمن وللشارع ليربيهم.
أين الخبرة التي تود أن تعطيها لابنك وأين التقويم في التربية، المتخصصون يعرفون جيدا أن اتلتقويم ركن أساسي في التربية مثله مثل اعطاء المعرفة، ومن قال أن التربية جبروت وتسلط بل هي توازن وحب وحنان.
تحياتي 

متابع | 10/09/2010, 01:28 [ الرد ]

Comment Icon

اشكركم جمعيا
كل عام وانتم بخير

محمد عمر | 14/09/2010, 16:27 [ الرد ]

Comment Icon

أخي محمد

أتفهم لماذا أقفلت التعليق عن ما ورد في سحب وتطفيش، لكن القضية أسهل من ذلك، فأقرأ مقالة الفلسطيني الأصيل ماهر أبو طير عن نظرية الاستبدال.
ثم يا أخي المواطنة ليست فقد عمل خيري وانساني حتي يعمل من يريد ان يهرب من وطنه وفيها مضامين آخرى لا تريدونها أنتم معشر من يريد تحويل الاردن لمكب نفابات ديمغرافي لإسرائيل.
على كل، كانت الشجاعة الأدبية وإنت تنتقد من يتجاوز على الدستور الحديث عن التطاول الفلسطيني على الدستور الاردني من خلال الواسطات لمنح جنسيات بغير حق، خذ مثلا باسم عوض الله عندما جنس 23 ألف فلسطيني كانوا يجب أن يبقوا في أرضهم، باسم كان يتآمر على الفلسطينيين بالمناسبة ارضاء لأسياده في واشنطن وليس يخدم الفلسطينيين.
وأن المثقف، يمكن لك قراءة بعض من الفكر الصهيوني عن الاردن وفلسطين لتفهم أن دائرة المتابعة أصبحت خط الدفاع الأول عن فلسطين في وقت جزء من أهلها حولوها لقضية تجارة وتكسب وشحدة جوازات سفر لا يستحقونها.
أرجو لك أن تفيق من غفوتك وتوضح أولوياتك، فإذا كانت فلسطين فليكن كذلك وإذا كانت الاردن فليحاسب الاردن كل الخون الذين رفعوا السلاح في وجه في يوم ليس ببعيد.
الأردنيون أوعوا من أن يسمحوا لحفنة تجار تمويل أجنبي تعرفهم جيدا من تغير بلدهم لتصبح فلسطين وعندها فليسترح الصهيوني لأنه بوجود اعداء من هذا الشكل من يريد أصدقاء
والشكر الموصول

محمد | 30/09/2010, 15:29 [ الرد ]

Comment Icon

أستاذ محمد .. اشتقنالك!

ما بعرف ظروفك بس بتمنى تكون بخير و ترجع تكتب
:)

Athy | 16/10/2010, 17:48 [ الرد ]

Comment Icon

إننا لم نعرف بعد معنى الحب الذي يذيب الفوارق، لأننا لا نحب أصلا من هو "مفارق" أو "مغاير" لنا، من هو ليس من ديننا او من جنسنا أو من جنسيتنا أو من عمرنا...الخ
اننا في لا وعينا، عندما نقول اننا نحب، نكون نفكر بالارتباط أكثر مما نفكر بالحب بحد ذاته والارتباط يعني البحث عن شريك مناسب مقبول في معايير المجتمع، يعني مناسب لنا عمرا وجنسا وجنسية ودينا...الخ ولا يهم بعد ذلك اذا ما مارسنا كذبا نسميه "تجميلا" او مارسنا انواع اخرى من الرياء التي مارسها "جوليان سوريل" للوصول الى غايتنا.

عروبة | 17/10/2010, 10:03 [ الرد ]

اضافة تعليق
authimage
رمز التأكيد
A service provided by Al Bawaba