عام 1987، نشر الكاتب الروسي انتولي ريباكوف روايته "أطفال اربات". احتفى بها العالم، وخاصة العالم الغربي كأول ثمار "البريسترويكا" السوفياتية...
شكلت الرواية نقلة نوعية في الادب "السوفياتي"، اذ كانت الاولى من نوعها التي تنتقد بشدة النظام الاشتراكي بعد مرور اكثر من خمسين عاما على ظهور روايات "سولجنستن"...
المهم،،
رواية "اطفال اربات" تدور في احد اهم شوارع العاصمة الروسية "اربات"، ويقال ان اصل تسمية الشارع يعود للعرب، وان "اربات" تعني "العربات" وبعضهم يقول انها تعني "الرباط" اي رباط الخيل، وفي كلا الحالين يبقى المصدر عربيا ويشير الى الخيل...
مش مهم،،،
المهم، ان شارع"اربات" الموسكوفي يختصر تاريخ المدينة، لا بل تاريخ روسيا منذ العصور الوسطى وحتى بداية انهيار الاتحاد السوفياتي، وربما حتى الآن،
رواية "اطفال اربات" خطرت في بالي امس وانا امشي في الشارع الطويل الممتد من الدوار الثاني الى الدوار الاول في جبل عمان ثم الى شارع الرينبو...
خطر في بالي لو ان روائيا اردنيا يريد ان يكتب تاريخ البلد السياسي على غرار ريباكوف، فلن يجد افضل من هذا الشارع مسرحا لروايته، فهو الشاهد الاكبر على اهم المتغيرات والاحداث التي دارت في البلد..
عندما كنت صغيرا وكنت ارافق والدي الى بساتين فلل "الاغنياء الاوائل" في عمان، اذكر ان اغلب عمله كان محصورا بين بداية شارع الرينبو من ناحية البلد وحتى الدوار الثاني فقط..
كان الدوار الثالث حديث العهد، وكانت بيوت بعض الاغنياء الجدد، وقلة من القدامى، قد بدأت تمتد اليه، ربما املا في مجاورة قصر "بسمان" الذي كاد يكون اخر العمار في جبل عمان حتى بداية سبيعنيات القرن الماضي..
المهم،،،
اذكر ان والدي عمل في اغلب بساتين تلك المنطقة، بما في ذلك بستان احد قادة الحزب الشيوعي الاردني، اعتقد انه كان اما بستان منزل الدكتور يعقوب زيادين، او الدكتور خالد حمشاوي في شارع الرينبو،،
في شارع الرينبو كان يتجارو المعارض والمسؤول الحكومي،،،
كان عدد من قادة الحزب الشيوعي يقطنون قريبا من مقر الحزب الحالي، في بداية الشارع المفضي الى فيلا سمير الرفاعي الجد وبهجت التلهوني ومقر جمعية الصداقة الاردنية السوفياتية، التي صارت الصداقة الاردنية الروسية...
واعتقد انه عمل في فلل بيت المفتي ومنكو وخلف والتلهوني والرفاعي واغلب فلل تجار "سوق السكر"، الذين كانوا يقطنون المنطقة، قبل ان تنهض طبقة غنية حديثة العهد، وقبل ان تزحف الطبقة الوسطى الى المنطقة وتدفع بهؤلاء الاغنياء الى البحث عن مناطق اخرى في الشميساني ولاحقا في عبدون ودابوق ودير غبار وغيرها...
في شارع "الرينبو" مقر "جمعية العروة الوثقى" التي تأسست في اربعينيات القرن الماضي وكانت من انشط الجمعيات السياسية، ومنها خرج عدد كبير من الشخصيات التي اسست لاحقا "حركة القوميين العرب"، وخاصة الدكتور جورج حبش،،
المهم،،
في هذا الشارع، بداية شارع الرينبو، قريبا من السفارة السعودية توجد اول دارة للملك طلال، وهي دارة متواضعة جدا، حتى بقياس تلك الفترة، الكثير ممن يترددون على شارع الرينبو لا يعرفون اين تقع هذه الدار ولا يعرفون اصلا بوجودها...
المهم،،
عندما أتحدث عن هذا الشارع الطويل، اقصد الشارع والمنطقة المحيطة به، تماما كشارع "اربات" الذي يسمى هكذا رغم انه ليس شارعا وحسب بل منطقة كاملة،،
على اي حال، في الشارع كله، من بداية الرينبو، وحتى الدوار الثاني كانت اهم مؤسسات البلد، السياسية والاقتصادية، من مجلس الامة الى المجلس الاستشاري الى نادي الملك حسين، وليس بعيدا كانت القيادة العامة للجيش وقيادة المخابرات، وشركة مصفاة البترول ومبنى شركة التامين الذي كان من اكبر مباني عمان واكثرها ازدحاما بالشركات ومنها "عالية" قبل ان تتحول الى "الملكية الاردنية"...
لا تسعفني ذاكرتي كثيرا لاسجل كل ما كان في الشارع، لكن لا تزال الكثير من معالم الشارع قائمة، منها الكلية العلمية الاسلامية، التي كانت ربما اول مدرسة عربية اسلامية خاصة في الاردن، ومنها تخرج العديد من قادة البلد بمن فيهم الملك حسين..
وليس بعيدا عن الكلية العلمية الاسلامية، هناك مدرسة المطران، اول مدارس المملكة التي درس فيها عددا كبيرا من السياسيين والمثقفين الاردنيين واولهم الروائي والمفكر غالب هلسا، التي تحضر هذه المنطقة بقوة في روايته "سلطانة"،،،
وايضا،،،
في الشارع مقر نادي الملك حسين، الذي كانت "تصنع" فيه سياسات البلد، قبل ان تيحول الان الى ناد "عادي"، ويفتح ابوابه لحفلات الزفاف واعياد الميلاد للطبقات الحديثة القادرة على دفع اكثر من 3 الاف ليرة ليلة واحدة،،،
وليس بعيدا عن النادي يقع مقر البرلمان، عندما كان مجلس امة وعندما اصبح "مجلس استشاري" في بداية ثمانينيات القرن الماضي، وقد احتارت الحكومات المتعاقبة في امر هذا المبنى فمرة تغلقه ومرة تحوله الى "المركز الاردني للاعلام"، ومرة متحفا للحياة السياسية،،
في الشارع كانت مقار رئاسة الحكومة ايضا قبل ان تنقل الى الدورا الرابع وبعد ان انتقلت من وسط البلد،،،
في الرينبو "سينما الرينبو"، التي اعطت الشارع اسمه، وهي اول سينما في عمان تفتح خارج وسط البلد،،،
اذكر انني شاهدت في هذه السينما فيلم "إنهم يقتلون الجياد، اليس كذلك؟"، كان هذا في منتصف سبعينيات القرن الماضي، وكانت السينما "زحمة"، اعتقد ان سينما الرينبو كانت متخصصة في عرض الافلام النوعية، او ربما ارتبطت في ذهني هكذا،،
بجانب السينما كان "سوبرماركت الرينبو" ثاني اكبر سوبر ماركت في عمان بعد "سوبرماركت خلف"، الذي كان على دوار الحاووز، دوار باريس، في اللويبدة،،،
المهم،،،
معالم هذا الشارع كثيرة، وتختصر على الاقل تاريخ البلد السياسي، وتشكل شاهدا على المتغيرات الاجتماعية،،،
اليوم، تغزو شارع الرينبو، كما حصل لشارع "اربات"، الماركات الحديثة، مطاعم ومقاه باسماء اجنبية حتى لو حاول بعضها الاحتفاظ في واجهته بنكهة "تراثية"،
بعد ان اصبح الشارع، شارع الرينبو، مكانا لتزاحم الاقدام فلن ننتظر طويلا حتى نرى "ماكدونالدز"، وبير غر كينغ وهارديز وغيرها يمتلكون افرعا هناك، كحال "تش تشي"،،
لتكتمل دورة المتغير الاقتصادي الاجتماعي السياسي في عمان،،
شارع الرينبو، وامتداده حتى الدوار الثاني، كان عصارة تاريخ البلد، وتحول الان الى متحف ورواد "مفتقدي" الاصالة،،،
هكذا صار مع شارع "اربات"، وهكذا هي سنة حياة المدن المتحركة،،،
كان بودي ان ابحث اكثر عن معالم الشارع والاحداث التي شهدها وهي اكثر كثيرا مما كتبت، لكنني للاسف مدون عجول جدا اكتب بسرعة واكتب اول ما يقع في خاطري وتحفظه ذاكرتي،،،
يسعد صباحك ، و صباح عمـان ..
فـاخـر النـحـال | 27/05/2010, 08:16 [ الرد ]